عرف الجمهور الكاتب والممثل الاسكتلندي، ريتشارد غاد (1989)، من خلال مسلسل" غزالي المدلل" (Baby Reindeer) الذي عُرض على منصة نتفليكس في عام 2024.
تناول غاد في ذلك العمل قصةً شخصية، إذ عانى نتيجة مطاردة امرأة مهووسة له.
يعود غاد هذا العام بـ" نصف رجل" (Half Man)، من إنتاج" إتش بي أو" و" بي بي سي".
إذا كان" غزالي المدلل" يتطرّق إلى فكرة الصدمة (Trauma)؛ فها هو" نصف رجل" (تأليف غاد وكتابته) يمضي بنا إلى موضوعة نفسية أخرى: صراع التعبير والانكشاف والضعف العاطفيين (Vulnerability).
ولعلّ هذا هو جوهر العمل وفكرته التي يقوم عليها، من خلال حكاية" أخوين" يعيشان علاقةً معقدة، سيكون من الاستسهال أن نُطلق عليها حكم السُمية، والعنف الذكوري المفرط.
فالأخيران، في" نصف رجل"، هما هيكل/جسد لفكرة الانكشاف والضعف.
منذ لحظته الأولى، يستطيع المسلسل خطفنا: ها نحن في حظيرة يحضر فيها" الأخوان"؛ روبن (غاد) ونايل (جيمي بِل).
الأول يظهر نصف عارٍ من الأعلى، بعينَين باردتَين وابتسامة مربكة؛ والثاني في يوم زفافه، يرتدي التنورة الاسكتلندية التقليدية، ويريد أن يتخلّص من الموقف برمّته.
موقف نستطيع أن نعرف فيه من المُنتصر في هذه المواجهة حين نرى فارق القوة الجسدية بين الشابين.
نغادر الحظيرة والعرس كلّه، ويعود بنا" نصف رجل" (يُعرض عربياً على" أو إس أن+" ) إلى 30 عاماً مضت مع" الأخوين": نايل (أدّى دوره يافعاً ميتشل روبرتسون) وروبن (أدى دوره يافعاً ستيوارت كامبل).
هما ليسا أخوَين بيولوجيَّين، فكما يقول روبن لنايل: " أنت أخي من عشيقةٍ أخرى"، إذ تربط والدتيهما علاقة وتقيمان معاً.
وتبدو هذه العبارة التي يقولها روبن لنايل كما لو أنها عهدٌ بينهما.
هذان الأخوان نقيضان؛ فروبن خارج من سجن الأحداث لاعتدائه على أحدهم، بينما نايل مُسالم ومرتبك، يعاني تخبّطات ومخاوف شتى، أبرزها مرتبطة بتوجّهه الجنسي.
تناقض مثالي في سبيل هذه العلاقة المركبة: كلاهما يعتمد عاطفياً على الآخر، لكن الأقوى (أي روبن) هو المُسيطر هنا، لدرجة أن نايل يتلاشى فيه، أو كما قال روبن، لاحقاً بعدما كبُرا، في مشهد رائع تواجها خلاله في المستشفى: " قد تكون الرسّام يا نايل، لكنّني الهضاب الممتدة".
تمضي بنا حلقات المسلسل الست متنقلةً بين ماضي الأخوين وحاضرهما؛ ماضيهما يافعين، وشابين كبيرين.
الحاضر هو الحظيرة التي يقفان فيها، بينما ضيوف العرس ينتظران خروجهما من الحظيرة المظلمة التي أحكم روبن إغلاقها.
لا يقدّم" نصف رجل" روبن بوصفه تجسيداً للذكورة، أو نايل بوصفه مجرّد ضحية سلبية لا تملك قرارها.
ليس هذا ما يريده مؤلّف العمل.
على العكس من ذلك، نحن أمام رجلين عاجزين عن التعبير عن هشاشتهما مباشرةً؛ فيلجأ كل منهما إلى أساليب ملتوية، مثل التلاعب والإيهام وحمل الآخر على الإحساس بالذنب، والسخرية اللاذعة، للتعبير عن هذه المحبة القاسية، وعن هذه الأخوّة التي فرضها الشّقاء الذي يعيشانه.
نايل يريد أن يكون روائياً، بينما روبن يسخر من هذه الرغبة ويحطّمها كلّما سنحت له الفرصة.
وفعلاً، محور الرواية التي أنجزها نايل كان روبن.
هذا ما يعيدنا إلى ما قاله الأخير حول فكرة الرسام والهضاب.
بوعيه ومن دونه، سمح نايل لروبن بامتلاكه، بأن تتلاشى حدود شخصيتهما ليمسي نايل ظلّاً لروبن.
إن كان الأخير يسعى إلى امتلاك أخيه، فهذا لم يتوانَ عن منحه ذلك بمحض إرادته ورغبته، منذ اللحظة الأولى حين دخل إلى الجامعة، ووجد نفسه تائهاً في عالمٍ كبير، فاتصل بروبن وقال له: أحتاجك.
هذا النداء البدائي يمثّل العتبة التي عبر منها نايل إلى سجن روبن الاختياري، إذ يتداخل الاحتياج العاطفي بالتبعية النفسية المطلقة.
يتلاعب" نصف رجل" ببراعة بمفهوم الانفصال والالتحام؛ فالشخصيتان تتحركان كجرمين سماويين يتبعان مداراً واحداً، ينجذبان بقوة مدمرة ويفسران الاتصال بأنه إلغاء للحدود الفردية.
يتجلى عنوان العمل، " نصف رجل"، بوصفه إحالة مباشرة إلى العجز البنيوي في شخصية كل منهما؛ إذ يظهر أن أيّاً منهما لا يستطيع بلوغ مرتبة الكيان المكتمل بمعزل عن الآخر، حتى وإن كان هذا الاتصال يعني استنزافاً متبادلاً.
روبن، بكل ما يظهره من قسوة وجبروت خارجي، يستمدّ وجوده وهويته الفوقية من حاجة نايل الإذعانية إليه.
في المقابل، يجد نايل في سلطة روبن حمايةً من مخاوفه الذاتية، وملاذاً يهرع إليه للتنصل من عبء اتخاذ القرارات ومواجهة العالم الخارجي الذي يراه عدائياً ومربكاً، ومكاناً يعفيه من مسؤولية خياراته الشخصية المعقدة.
تكتسب الجغرافيا الاسكتلندية في العمل بعداً نفسياً يتجاوز حدود الخلفية المكانية؛ إذ توظف الرؤية الإخراجية الطبيعة الباردة والموحشة لتعميق الإحساس بالعزلة والاشتباك الداخلي.
تنتقل الصورة بين فضاءين متناقضين يحمل كل منهما رمزيته الخاصة: الحظيرة المغلقة والمظلمة في الحاضر، التي تمثل ذروة الاختناق والمواجهة الحتمية المحبوسة في حيّز ضيق، والمساحات المفتوحة في الماضي التي، على الرغم من اتساعها، تبدو حصاراً يعزل الأخوين عن بقية العالم.
هذا التناوب البصري يمنح السرد إيقاعاً مشدوداً، فتصبح الحظيرة بركاناً يوشك على الانفجار، بينما يمثل الماضي الفتيل الطويل الذي احترق ببطء على مدى ثلاثة عقود.
تساهم الإضاءة الخافتة وظلال الحظيرة في إبراز ملامح الوجهين، مركّزةً على نظرات العينين وحركات الجسد المرتبكة، ما يمنح المشاهد شعوراً بالاضطراب والمشاركة في هذا الحصار النفسي الخانق.
يبرز الأداء التمثيلي ركيزةً أساسية في تدعيم هذا البناء الدرامي المعقد.
يثبت ريتشارد غاد، من خلال تجسيده لشخصية روبن، قدرة فائقة على التنقل بين التهديد المبطن والضعف الإنساني العميق.
إنه يمنح الشخصية حركية مباغتة، تجعل المشاهد في حالة ترقب دائم، متسائلاً عن الخطوة التالية لرجل يبدو أنه يتلذّذ بالأذى لكنه يتألم منه في الوقت نفسه.
في المقابل، يقدّم جيمي بِل أداءً استثنائياً في دور نايل؛ إذ يعتمد على التعبير الداخلي الصامت، ومقاومة الخضوع التي تظهر في ارتعاشات جسده ونبرة صوته المترددة.
يمنح التناغم الأدائي بين غاد وبِل المواجهات الثنائية ثقلاً واقعياً، ويجعل من حوارهما القاسي، المشحون بالاتهامات المتبادلة والسخرية المريرة، أشبه بتشريح حي لعلاقة عاطفية مشوهة.
يعزز هذا الأداء حضور الممثلين اليافعين، ميتشل روبرتسون وستيوارت كامبل، اللذين نجحا في إرساء الجذور النفسية لهذه السلوكيات المركبة، مظهرين كيف تولد القسوة من الحاجة العاطفية غير الملباة في الطفولة المبكرة.
عند النظر إلى" نصف رجل" في سياق تجربة ريتشارد غاد، نلاحظ تطوراً ناضجاً في أدواته الكتابية مقارنةً بـ" غزالي المدلل".
فبينما ارتكز فيه على المكاشفة السيرية المباشرة، يتجاوز غاد في عمله الثاني حدود البوح الذاتي لينتقل إلى مساحة التخييل الدرامي الأعمق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك