في وثيقة تاريخية نادرة كتب الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب للجمهور كواليس اللقاء الوحيد الذي جمعه بكوكب الشرق أم كلثوم، في منتصف القرن الماضي، وروى في مقال استثنائي بقلمه، كيف كانت هذه الليلة وسر العظمة التي استشعرها خلال حديثه عنها ومعها، وذلك في عدد قديم من الأرشيف الذهبي لمجلة «الكواكب».
اللقاء اليتيم.
ليلة غنى فيها «موسيقار الأجيال» مع «كوكب الشرق»كشف محمد عبد الوهاب في المقال الذي كتبه، عن مفاجأة قد لا يعلمها الكثيرون؛ وهي أنه لم يلتقِ بأم كلثوم فنياً وجهاً لوجه إلا لمرة واحدة «يتيمة» تعود إلى بداياته الفنية قبل نحو عشرين عاماً من كتابة المقال.
في تلك الليلة، سهر النجمان معاً وغنيا الثنائية الشهيرة «على بلد المحبوب وديني» في جلسة خاصة ضمت حسن أنور، يصف عبدالوهاب شعوره في تلك اللحظات قائلاً: «قضيت مع أم كلثوم، وأحسست وأنا إلى جوارها أنني أتحدث إلى أستاذ، وأن على هذه القامة يتوقف عليها شيء غير قليل من مصير كطرب ناشئ».
وأضاف الموسيقار أنه شعر بفخر عظيم آنذاك عندما استمع لشهادة أم كلثوم التي قالت له بابتسامة: «أنت كويس»، وهي الكلمة التي اعتبرها صك اعتراف وبشرى كبرى لمطرب يتلمس أولى خطواته نحو المجد.
كيف جمعت أم كلثوم بين زمنين؟وفي تحليله الفني لسر عبقرية «سومة»، وضع عبد الوهاب يده على التطور الهيكلي للموسيقى العربية، مستعرضاً كيف نجحت أم كلثوم في الجمع بين جيلين:جيل ما قبل الميكروفون: حيث كان يُشترط في المطرب الناجح امتلاك صوت جهوري ضخم، وقدرة على الغناء المتواصل لساعات داخل السرادقات والمحافل ليتغلب على ملل الجمهور ويصل صوته لآلاف الحاضرين دون مكبرات.
جيل عصر الميكروفون والراديو: حيث كان المطلوب «جمال الأداء» والدقة والقدرة على التنقل السلس بين المقامات وتطويع التكنولوجيا والتسجيل السينمائي والإذاعي لخدمة الفن.
ورأى عبد الوهاب أن المعجزة تكمن في أن أم كلثوم هي الفنانة الوحيدة التي جمعت بين الميزتين؛ فصوتها يمتلك القوة الجسورة لإحياء حفلة حية ومواجهة الآلاف، وفي الوقت نفسه يمتلك العذوبة والنقاء الشديدين خلف ميكروفونات الاستوديو والتسجيلات.
ثورة الذوق العام: كيف قادت «سومة» مع «رامي» معركة الوعي؟لم يقتصر مديح عبد الوهاب على حنجرة أم كلثوم الفذة، بل امتد ليشمل «العقلية الواعية» لكوكب الشرق، مشيرا إلى أنها أول من أدرك مبكراً بذكائها الفطري أن الذوق العام سيمج الأغاني المبتذلة والخليعة (من عينة أغاني «إيه اللي جرى في التخشيبة»)، فقررت قيادة ثورة لتطهير الأغنية العربية.
وكانت النتيجة، بحسب عبد الوهاب، احتضانها للشاعر الكبير أحمد رامي وتأسيس شراكة فنية صاغت أرقى معاني الحب والوجدان، وانطلقت بطفرة رائعة غيرت وجه الموسيقى، بدأت برائعة «الشك يحيي الغرام».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك