ليس أقسى على النفس من أن تكتشف أن القلب الذي أخلص، والعين التي سهرت، والروح التي منحت أجمل ما فيها، كانت تبذر ورودها في أرض لا تعرف معنى الورد، ولا تفقه لغة الامتنان.
نعيش أعمارنا مؤمنين أن الحب يلد الحب، وأن الوفاء يستدعي الوفاء، وأن اليد الممتدة بالخير لا بد أن تجد يدًا أخرى تمسك بها يوم العثرة.
ثم نفاجأ بأن الحياة تخبئ لنا وجوهًا بارعة في الأخذ، عاجزة عن العطاء، تحفظ ما يقدم إليها من جميل كما يحفظ الرمل قطرة الماء؛ فلا يبقى منه أثر ولا ذكر.
وما أكثر أولئك الذين يستظلون بظل قلوبنا حين تحرقهم شمس الأيام، فإذا أقبلت عليهم الدنيا وأزهرت طرقهم، مضوا غير ملتفتين إلى من كان لهم سندًا وعونًا.
ينسون الكلمة الطيبة، والموقف النبيل، والدمعة التي خُنقت في الصدور من أجل راحتهم، وكأن المعروف دين ثقيل يسارعون إلى التخلص من ذكراه.
إن الجحود ليس مجرد نسيان للجميل، بل هو فقر أخلاقي لا تداويه الأموال، وعطب في الروح لا تصلحه المناصب.
فكم من إنسان عاش فقيرًا في جيبه، غنيًا في وفائه، وكم من آخر امتلأت يداه بالخيرات، وبقي قلبه خاليًا من أبسط معاني النبل.
وليس الوجع في أن يخذلك الغريب، فالغريب لا يحمل لك عهدًا، لكن الوجع كل الوجع أن يأتي الخذلان ممن فتحت له أبواب قلبك، ومنحته ثقتك، وأودعته أجمل أحلامك.
هناك فقط تدرك أن بعض الجراح لا تصنعها السكاكين، بل تصنعها القلوب حين تتنكر لما كان بينها من مودة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول الخيبات إلى سياج يحاصر أرواحنا.
فلا ذنب للطيبة في سوء من استقبلها، ولا ذنب للنقاء في قسوة من قابله.
فالوردة لا تصبح قبيحة لأنها نبتت في أرض جرداء، والشمس لا تفقد نورها لأن أعمى لم يرها.
احتفظوا بقلوبكم نقية، لكن لا تتركوها مستباحة.
امنحوا الحب لمن يعرف قيمته، وازرعوا الوفاء في أرض تستحقه، وأحسنوا الاختيار قبل أن تحسنوا العطاء.
فليس كل من اقترب صديقًا، وليس كل من ابتسم مخلصًا، وليس كل من أخذ يستحق المزيد.
تبقى الكرامة تاجًا لا يليق أن يسقط من رؤوس أصحاب القلوب الطيبة.
فإذا قابلتم الجحود، فارحلوا في هدوء، واتركوا الأيام تعلم ناكري الجميل قيمة ما فقدوه.
فبعض الناس لا يعرفون ثمن النعمة إلا بعد زوالها، ولا يدركون قيمة القلوب الصادقة إلا حين يقفون وحيدين أمام قسوة الحياة.
وهكذا تستمر الحياة، لا ينتصر فيها الأكثر أخذًا، بل الأكثر صدقًا.
ولا يبقى في الذاكرة من جمع الأموال أو الكلمات، بل من ترك في القلوب أثرًا طيبًا، ومن مر بالحياة كريمًا، نقي السريرة، جميل الأثر.
فاحذروا مذبحة المشاعر، فإن ضحاياها لا يسقطون على الطرقات، بل يسقطون في صمت داخل القلوب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك