وأُقيم هذا الحدث الاستثنائي برعاية معهد التنمية والاتصال الثقافي بجامعة الاتصالات الصينية، وبدعم من جمعية الصداقة المصرية الصينية، وكلية الدراسات العربية، ومتحف ليانغتشو بالصين، ليبرهن على أن العواصم التاريخية لا تموت، بل تولد مجدداً بأجنحة رقمية ورؤى استراتيجية مشتركة.
قدم المشاركون في المؤتمر عرضًا شيقًأ لتاريخ مدينة" هانجتشو"، العاصمة الصينية القديمة، والتي يمتد تاريخها لأكثر من 2200 عام، والتي بدأ تحولها الجيوسياسي والاقتصادي الأبرز، مع شق القناة الصينية الكبرى؛ هذا الشريان المائي الاصطناعي الذي يعد الأطول في العالم، والذي ربط جنوب الصين بشمالها، فجعل من المدينة مركزاً تجارياً استراتيجياً وملتقى للتجارة والثقافات.
ويشير تاريخ مدينة" هانجتشو"، أن المدينة بلغت ذروة مجدها السياسي والدبلوماسي عندما اختيرت عاصمة في حقبة أسرة سونغ الجنوبية في الفترة ما بين" 1132 و 1276م"، ففي تلك الحقبة، كانت المدينة – التي عُرفت آنذاك باسم" لينآن" – المدينة الحضرية الأكبر عالمياً من حيث الكثافة السكانية والازدهار الاقتصادي.
ومنها انطلقت تجارة الحرير الفاخر، وصناعات الخزف، وشاي" لونغ جينغ" الإمبراطوري الشهير الذي صاغ جزءاً من دبلوماسية الثقافة الصينية.
أكدت جلسات المؤتمر بالأمس، على إن الحوار المشترك بين مصر والصين يتجاوز حدود الجغرافيا؛ فهو يرتكز على قراءة الروابط التاريخية والصلات العميقة بين مراكز الحكم السلالي في الصين في حوضي النهر الأصفر ونهر اليانغتسي، وبين العواصم المصرية التاريخية القائمة على ضفاف نهر النيل.
ففي الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، تحدث الأستاذ" شيونغ تشنغ يو"، رئيس اللجنة المنظمة وكبير الأساتذة بمعهد التنمية والاتصال الثقافي بجامعة الاتصالات الصينية، مركزًا على كيفية صياغة حوار المدن القديمة لتصورات المستقبل الرائدة.
وأعقب ذلك كلمة ترحيبية من الدكتور الطيب عباس، الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف القومي للحضارة المصرية، تلاها كلمة للسيد تشانغ يا كيانغ، نائب سفير جمهورية الصين الشعبية لدى مصر، مؤكدًا فيها على عمق العلاقات الثقافية، بينما أفاض السفير عز الدين عبد الفتاح، نائب رئيس جمعية الصداقة المصرية الصينية والقنصل العام السابق في شنغهاي في الحديث عن الآفاق الواعدة والفرص الكبيرة للتعاون المشترك.
شهدت جلسات المؤتمر نقاشات فكرية وتاريخية معمقة بمشاركة نخبة من كبار العلماء والباحثين من البلدين، حيث تناول السيد" لو تشو" أصول الحضارتين المصرية والصينية، من منظور كونهما حضارات أنهار نشأت على النيل واليانغتسي، بينما استعرض السيد" ني وي جون" أبعاد الحوار الحضاري العميقة بين البلدين حيث ركزت الجلسات على أبعاد التبادل والتكامل الفلسفي، و الجذور التاريخية للمدن والفنون، والعمران وحوار الجمال: بين المدن القديمة في حوار موازٍ يربط التراث بالجمال، بالتواصل التجاري، من منظور طريق الحرير".
والحقيقة أن الحوار الصيني المصري لم يقتصر على الندوات الفكرية، بل تُرجم عملياً على أرض الواقع من خلال مشاريع أثرية وميدانية ملموسة.
ففي شهر يوليو من عام 2024، أقيم معرض متحف شانغهاي التاريخي تحت عنوان" على قمة الهرم - حضارة مصر القديمة"، واستمر لقرابة 13 شهراً واجتذب قرابة 2.
8 مليون زائر في الصين، عارضاً قطعاً أثرية فريدة ومكتشفات حديثة، بل إن الصين أسست تعزيزاً لهذا التعاون، من خلال بعثات أثرية ميدانية متخصصة تعمل داخل الأراضي المصرية، تركزت جهودها في مواقع بالغة الأهمية مثل" معبد منتو" شمال شرق مجمع معابد الكرنك في الأقصر، بالإضافة إلى أعمال التنقيب في جبانة سقارة الأثرية.
وفي خطوة رائدة تعكس الارتباط المشترك بالمياه، ينسق البلدان لإدراج مواقع هيدرولوجية (مائية) أثرية على قائمة التراث العالمي لليونسكو، تشمل نقوش" بايهيليانج" الهيدرولوجية القديمة في الصين، ومقياس النيل بجزيرة الروضة في مصر.
والحقيقة أيضًأ أن أهمية مؤتمر الأمس الذي عُقد بالمتحف القومي للحضارة المصرية، تبرز أكثر من خلال مناقشة آليات حماية التراث واسترداده عبر أوراق بحثية هامة، حيث قدمت الأستاذة المشاركة" لو نينغ" الباحثة بالمركز الوطني لأبحاث التراث بجامعة تسينغهوا جلسة هامة حول أهمية المساعدات الدولية والتعاون في حماية التراث الثقافي بالبلدين.
بينما طرح الأستاذ" جين بين" الأستاذ بجامعة الاتصالات الصينية، رؤية حول هامة حول أهمية إنشاء نظم للملكية الفكرية الثقافية للمدن القديمة والترويج للعلامات التجارية السياحية الثقافية الدولية، بالإضافة إلى استعراض الأستاذ" هي يونغ" ورقة استراتيجية حول" آليات التعاون لإعادة الآثار الثقافية المفقودة والمهرّبة بين مصر والصين".
أظن شخصيًا أن قيمة هذا المؤتمر تتجلى في أنه، بينما تُناقش العراقة والحضارة لكلا البلدين في أروقة المعارض والمتاحف، تقدم هانجتشو المعاصرة درساً عالمياً فريداً في الريادة التكنولوجية، إذ نجحت المدينة في إعادة ابتكار هويتها عبر رؤية استراتيجية صينية خالصة، لتتحول إلى عاصمة للاقتصاد الرقمي في الصين، ومركز ثقل تكنولوجي عالمي يُعرف بـ" وادي السيليكون الآسيوي"، وهو ما يجب أن تستشرفه مصر بشكل أكبر وأوسع.
فاليوم، تعد هانجتشو الحاضنة الرئيسية لأحد أكبر المواقع العالمية في التجارة الإلكترونية، وهو ما جعل منها بيئة جاذبة لآلاف الشركات الناشئة والمتخصصة في الحوسبة السحابية والتكنولوجيا الحيوية، حيث تُدار البنية التحتية للمدينة بكفاءة فائقة عبر منظومة الذكاء الاصطناعي من خلال" مخ المدينة" أو ما يعرف باللغة الإنجليزية" City Brain".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك