يتصاعد الجدل في محافظة السويداء مع اقتراب موعد امتحانات الشهادتين الأساسية والثانوية، في ظل تمسك الحكومة السورية بإجراء الامتحانات في دمشق وريفها، مقابل إصرار جهات محلية على إقامتها داخل المحافظة.
وبين تأكيدات رسمية بتأمين النقل والإقامة والحماية الأمنية، ومخاوف من منع الطلاب من الوصول إلى المراكز الامتحانية، يجد آلاف الطلبة أنفسهم أمام استحقاق مصيري باتت تحيط به حسابات تتجاوز الجانب التعليمي.
وكانت محافظة السويداء قد أعلنت تأمين وسائل النقل لطلاب الشهادتين إلى المراكز الامتحانية المعتمدة في دمشق وريفها، إلى جانب توفير أماكن إقامة للطلاب الراغبين بالمبيت خلال فترة الامتحانات.
وقال محافظ السويداء مصطفى البكور، في تصريحات لتلفزيون سوريا، إن المحافظة أعدت ترتيبات خاصة بالتنسيق مع شركات النقل وعدد من الجهات الداعمة، بهدف تخفيف الأعباء عن الطلاب والأهالي وضمان عدم ضياع العام الدراسي.
وأوضح أن الخطة لا تقتصر على النقل فقط، بل تشمل أيضاً تأمين الإقامة والطعام وكافة المستلزمات اللوجستية للطلاب الذين سيبقون في جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا طوال فترة الامتحانات.
وأشار البكور إلى أن المحافظة أطلقت رابطاً إلكترونياً لتسجيل الطلاب الراغبين بالاستفادة من خدمات النقل والإقامة، موضحاً أن الهدف من ذلك تنظيم العملية بشكل دقيق ومعرفة الأعداد الفعلية للطلاب.
وأضاف أن مئات الطلاب سجلوا بياناتهم منذ إطلاق الرابط، في حين وصل أكثر من ألف طالب إلى دمشق خلال الأيام الماضية بشكل فردي واستقروا هناك استعداداً للامتحانات.
ضمانات أمنية وتشديد على سلامة الطريقوفيما يتعلق بالمخاوف الأمنية، أكد البكور أن المحافظة أجرت تنسيقاً مباشراً مع وزارة الداخلية وقوى الأمن الداخلي لوضع ترتيبات خاصة بتأمين الطريق، مشيراً إلى وجود انتشار أمني على طول المسار الذي ستسلكه الحافلات، إضافة إلى مرافقتها حتى وصول الطلاب إلى قاعات الامتحان.
وقال إن المحافظة طالبت مراراً بإبعاد ملف الطلاب عن التجاذبات القائمة، مشيراً إلى ورود معلومات حول قيام عناصر على بعض الحواجز التابعة لميليشيا" الحرس الوطني" بإنزال شبان من الحافلات والسيارات بسبب أعمارهم التي تتوافق مع أعمار طلاب الشهادتين.
وشدد البكور على أن وزارة الداخلية رفعت جاهزيتها إلى أقصى مستوى لتأمين العملية، مؤكداً أن الحافلات التي تنقل الطلاب ستحظى بمرافقة أمنية على طول الطريق وحتى قاعات الامتحان، في رسالة طمأنة للأهالي الذين يبدون تخوفات من تكرار حوادث الخطف أو الاعتداءات التي شهدتها المنطقة سابقاً.
الأمم المتحدة تدخل على خط الملفوتحدث البكور في لقائه أمس الإثنين، عن عقد اجتماع مع وفد من الأمم المتحدة بحضور ممثلين عن وزارة الخارجية وقوى الأمن الداخلي، موضحاً أن اللقاء تركز على بحث آليات تعزيز شعور الطلاب بالأمان خلال تنقلهم إلى المراكز الامتحانية.
وأضاف أن الوفد الأممي اقترح مرافقة الطلاب بهدف تعزيز الثقة والطمأنينة لدى الأهالي، مشيراً إلى أن الوفد دخل السويداء للاستماع إلى الأهالي وشرح الترتيبات الخاصة بالنقل والإقامة.
لماذا لم تُجرَ الامتحانات داخل السويداء؟ورداً على دعوات إجراء الامتحانات داخل المحافظة، أوضح البكور أن الخيار كان مطروحاً في الأصل، إلا أن وزارة التربية اعتبرت أن الظروف الحالية لا تسمح بإقامة الامتحانات وفق المعايير والإجراءات المعتمدة لديها، خاصة في ظل حساسية الامتحانات العامة وما يرتبط بها من متطلبات أمنية وتنظيمية.
وأضاف أن الامتحانات تشمل مئات آلاف الطلاب على مستوى البلاد، وأن أي خلل أو تسريب قد يؤثر على العملية الامتحانية بأكملها، وهو ما دفع الوزارة إلى اعتماد المراكز الامتحانية في دمشق وريفها.
كما نفى صحة ما تم تداوله عن إجراء الامتحانات داخل السويداء، مؤكداً أن الصفحة التي نشرت تلك المعلومات لا تتبع لمديرية التربية، وأن المراكز الامتحانية المعتمدة جرى تحديدها مسبقاً من قبل وزارة التربية.
التعليم لا يحتمل الحسابات السياسيةفي المقابل، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي حافظ قرقوط أن خطوة تأمين نقل الطلاب تمثل تطوراً مهماً في ظل الظروف الراهنة، لكون الامتحانات الحالية تتعلق بمستقبل جيل كامل من أبناء السويداء.
وقال قرقوط لتلفزيون سوريا إن المحافظة عرفت تاريخياً باعتمادها على التعليم بوصفه أحد أهم مصادر القوة الاجتماعية والاقتصادية، مضيفاً أن أعداداً كبيرة من أبناء السويداء بنوا مستقبلهم المهني داخل سوريا وخارجها اعتماداً على التحصيل العلمي والشهادات.
وأوضح أن السويداء تفتقر إلى موارد اقتصادية كبيرة مقارنة باعتمادها التاريخي على التعليم، معتبراً أن الحفاظ على مستقبل الطلاب يجب أن يكون أولوية تتقدم على أي اعتبارات أخرى.
وأشار إلى أن تجربة السنوات الماضية أظهرت أن أي شهادات لا تحظى باعتراف رسمي ستضع الطلاب أمام مشكلات حقيقية في المستقبل، مستشهداً بامتحانات أُجريت سابقاً داخل السويداء ولم تحصل على اعتراف من وزارة التربية.
منع الطلاب من مغادرة السويداءوانتقد قرقوط منع الطلاب الراغبين بالتوجه إلى دمشق لتقديم الامتحانات، معتبراً أن من حق كل أسرة أن تقرر ما تراه مناسباً لمستقبل أبنائها، وأنه لا يحق لأي جهة فرض خيارات تعليمية على الطلاب.
وأضاف أن التحذير من المخاطر المحتملة أمر مفهوم، لكن منع الطلاب من تقديم الامتحانات أمر مختلف تماماً، لأن التعليم يجب أن يبقى أولوية تتقدم على أي خلاف سياسي أو أمني.
واعتبر أن منع الطلاب من التوجه إلى المراكز الامتحانية يشكل" متاجرة بمستقبلهم" وإقحاماً لهم في مشاريع سياسية لا علاقة لهم بها، داعياً إلى تحييد العملية التعليمية عن الصراعات والخلافات القائمة.
كما دعا الأهالي إلى الفصل بين الموقف من السلطة السياسية وبين مؤسسات الدولة، متسائلاً عن الجهة التي يمكن أن تعترف بأي شهادة تعليمية إذا لم تكن مصدقة من وزارة التربية.
الطلاب بين القلق والخوف من ضياع المستقبلوعلى الرغم من التطمينات الرسمية، ما تزال حالة القلق تسيطر على كثير من الطلاب قبل أيام قليلة من بدء الامتحانات.
الطالب أحمد، وهو من طلاب الفرع العلمي، قال لموقع تلفزيون سوريا إن تفكيره لم يعد منصباً على المواد الدراسية والأسئلة الامتحانية بقدر ما أصبح متعلقاً بترتيبات السفر والإقامة وما قد يواجهه خلال فترة الامتحانات.
وأضاف أن كثيراً من الطلاب أمضوا الأيام الأخيرة في البحث عن معلومات حول أماكن الإقامة وآلية النقل بدلاً من التركيز على المراجعة الدراسية، مشيراً إلى أن بعضهم يتعرض لضغوط اجتماعية بسبب قراره التوجه إلى دمشق.
أما الطالبة نور فأكدت أن المشكلة لا تتعلق فقط بالأمن أو النقل، بل تشمل أيضاً الأعباء الاقتصادية المرتبطة بالإقامة والطعام والاحتياجات اليومية، موضحة أن الوضع المعيشي الصعب لعائلتها يجعل السفر أمراً يفوق قدرتها المالية.
في حين قالت الطالبة سارة إنها اختارت التوجه إلى دمشق لأنها تخشى أن تضيع سنة كاملة من الدراسة إذا تبين لاحقاً أن الامتحانات التي تجرى داخل السويداء غير معترف بها رسمياً.
أما الطالب ليث، فقد قرر البقاء في السويداء بسبب مخاوف عائلته من الضغوط الاجتماعية والتشهير الذي قد يطال الطلاب المتوجهين إلى دمشق، رغم إدراكه للمخاطر المرتبطة بمصير الشهادات التي قد تصدر عن امتحانات محلية.
ورغم اختلاف مواقفهم، يتفق معظم الطلاب على مطلب واحد يتمثل في تحييد العملية التعليمية عن الخلافات السياسية وضمان حقهم في الحصول على تعليم وشهادات معترف بها.
الهجري يرفض نقل الامتحاناتوكان شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز حكمت الهجري، أعلن الإثنين رفضه نقل امتحانات الشهادتين إلى دمشق وريفها.
وقالت مديرية التربية والتعليم في السويداء إن ما يُشاع حول موافقته على نقل الامتحانات خارج المحافظة" محض اختلاق"، مؤكدة أن الامتحانات ستجرى داخل مراكز ومدارس السويداء وضمن الأجواء المعتادة.
وأضافت المديرية أن أي معلومات تتعلق بالعملية الامتحانية يجب أن تؤخذ من المصادر الرسمية فقط، محذرة من الشائعات التي قد تزيد من حالة الارتباك بين الطلاب وعائلاتهم.
الأمم المتحدة: المشاورات لم تتجاوز التحدياتوأعلنت الأمم المتحدة أنها أجرت مشاورات مع الأطراف المعنية بشأن سبل دعم طلاب السويداء خلال فترة الامتحانات، مؤكدة أن تلك المشاورات جاءت انطلاقاً من الحرص على سلامة الطلبة وضمان نزاهة العملية الامتحانية.
وقالت المنظمة إن النقاشات تناولت آليات دعم الطلاب في ظل ترتيبات إجراء الامتحانات خارج المحافظة، لكنها لم تنجح في تجاوز التحديات القائمة.
وفي الوقت نفسه أكدت الأمم المتحدة أن الحكومة السورية ستواصل تنفيذ خطتها لإجراء الامتحانات في ريف دمشق وفق الترتيبات التي أعلنتها سابقاً.
وبين تمسك الحكومة بخيار نقل الامتحانات، وإصرار جهات محلية على إجرائها داخل السويداء، يبقى آلاف الطلاب أمام أيام حاسمة يأملون أن تنتهي بضمان حقهم في التقدم إلى الامتحانات بعيداً عن التجاذبات السياسية والخلافات القائمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك