تواصل ولاية تكساس تعزيز موقعها باعتبارها أكبر المستفيدين من التحولات الاقتصادية والاستثمارية التي تشهدها الولايات المتحدة، بعدما نجحت خلال السنوات الأخيرة في استقطاب مئات الشركات الكبرى وعشرات المليارات من الدولارات من الاستثمارات الجديدة، في وقت تواجه فيه مراكز اقتصادية تقليدية مثل نيويورك وكاليفورنيا ضغوطاً متزايدة للحفاظ على جاذبيتها للشركات ورؤوس الأموال.
وجاء أحدث المؤشرات على هذا التحوّل مع موافقة مساهمي شركة إكسون موبيل، إحدى أكبر شركات الطاقة في العالم، على إعادة تسجيل الشركة قانونياً في ولاية تكساس، منهية ارتباطاً تاريخياً بولاية نيوجيرسي استمر لعقود.
ورغم أن المقر التنفيذي للشركة موجود في تكساس منذ سنوات، فإنّ القرار ينظر إليه بوصفه إشارة جديدة إلى تنامي النفوذ الاقتصادي والقانوني للولاية داخل الولايات المتحدة.
وبحسب تقرير نشرته مجلة" الإيكونوميست"، السبت الماضي، فإنّ ما لا يقل عن 184 شركة نقلت مقارها الرئيسية إلى مدن تكساس الكبرى بين عامَي 2020 و2025، من بينها شركات عملاقة مثل" تسلا" و" كاتربيلر"، في واحدة من أكبر موجات انتقال الشركات داخل الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة.
وتشير البيانات إلى أن تكساس أصبحت الولاية الأكثر جذباً للاستثمارات التجارية الجديدة على مستوى الولايات المتحدة، كما استحوذت خلال الفترة بين 2020 و2025 على نحو 20% من إجمالي الوظائف الصافية التي أضيفت إلى الاقتصاد الأميركي.
مغناطيس للشركات الأميركيةويأتي ذلك بالتزامن مع نمو سكاني متسارع جعل تكساس واحدة من أسرع الولايات الأميركية نمواً، مدفوعة بتدفق العاملين والشركات الباحثين عن تكاليف تشغيل أقل وضرائب أخف مقارنة بالولايات الساحلية الكبرى.
ويرى محللون اقتصاديون، بحسب التقرير، أنّ الفجوة الاقتصادية بين تكساس وكاليفورنيا بدأت تتقلص تدريجياً، وسط توقعات بأن تتمكّن الولاية الجنوبية خلال السنوات المقبلة من منافسة كاليفورنيا على موقع أكبر اقتصاد على مستوى الولايات الأميركية.
ولعب قطاع الطاقة دوراً محورياً في هذا التحول.
فإلى جانب احتفاظ تكساس بمكانتها كأكبر مركز لإنتاج النفط والغاز في الولايات المتحدة، نجحت الولاية في ترسيخ موقعها كأحد أكبر مراكز الطاقة المتجدّدة في البلاد.
ووفقاً للتقرير، من المتوقع أن تستحوذ تكساس خلال العام الجاري على نحو 40% من إجمالي مشاريع الطاقة الشمسية الجديدة واسعة النطاق التي ستدخل الخدمة في الولايات المتحدة.
ويبرز مشروع" تيهواكانا كريك" كأحد أكبر المشاريع الجديدة بطاقة إنتاجية تصل إلى 837 ميغاواط، كما استفادت شركات الطاقة العاملة في الولاية من ارتفاع أسعار النفط المرتبط بالتوترات الجيوسياسية والحرب مع إيران، ما عزز التدفقات الاستثمارية وأرباح القطاع خلال الفترة الأخيرة.
وتحولت هذه الوفرة في مصادر الطاقة إلى عنصر جذب رئيسي لصناعة جديدة تشهد نمواً متسارعاً، تتمثل في مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
وأصبحت تكساس واحدة من أبرز الوجهات الأميركية لمشاريع مراكز البيانات العملاقة، مستفيدة من وفرة الطاقة وانخفاض تكلفتها مقارنة بمناطق أخرى.
ويجري حالياً تطوير مشروع ضخم في مقاطعة شاكيلفورد بالتعاون بين شركة" أوبن إيه آي" المطورة لتقنيات الذكاء الاصطناعي وشركة" أوراكل"، يعتمد على محطات طاقة مستقلة تعمل بالغاز الطبيعي.
وبحسب شركة" وود ماكنزي" المتخصّصة في أبحاث الطاقة، فإنّ نحو نصف مشاريع الطاقة المستقلة عن الشبكة الكهربائية في الولايات المتحدة تتمركز داخل ولاية تكساس، ما يعكس المكانة المتزايدة للولاية في الاقتصاد الرقمي الجديد.
كما ساعدت التشريعات المحلية المرنة في تسريع تنفيذ المشاريع الجديدة، إذ تتمتع معظم المقاطعات بصلاحيات تنظيمية أقل مقارنة بولايات أخرى، الأمر الذي يقلل مدة الحصول على التراخيص ويخفض تكاليف التطوير.
وتستفيد مراكز البيانات كذلك من إعفاءات ضريبية أقرت منذ عام 2013، ما جعل تكساس من أكثر الولايات جاذبية للاستثمارات الرقمية.
وفي قطاع التكنولوجيا، تواصل مدينة أوستن ترسيخ مكانتها مركزاً متقدماً للشركات الناشئة والاستثمارات التقنية.
فبحسب بيانات شركة" بيتش بوك"، بلغت استثمارات رأس المال الجريء في المدينة 7.
4 مليارات دولار خلال العام الماضي، وهو أعلى مستوى في تاريخها، لتصبح خامس أكبر مدينة أميركية من حيث جذب تمويل الشركات الناشئة بعد أن كانت في المرتبة العاشرة قبل عقد واحد فقط.
وتضم منطقة" سيليكون هيلز" في أوستن شركات عالمية مثل" ديل"، إضافة إلى شركات ناشئة متخصصة في الروبوتات والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، كما تستضيف حاضنة الأعمال" كابيتال فاكتوري" مكتباً لوحدة الابتكار التابعة للجيش الأميركي، في مؤشر على تزايد أهمية الولاية في الصناعات التكنولوجية والاستراتيجية.
ولم يقتصر التحول على التكنولوجيا والطاقة فحسب، بل امتد أيضاً إلى القطاع المالي.
فمدينة دالاس، التي باتت تعرف في الأوساط المالية الأميركية باسم" يول ستريت" في إشارة إلى منافستها لوول ستريت، نجحت في جذب مؤسسات مالية عملاقة خلال السنوات الأخيرة.
ويقوم بنك" غولدمان ساكس" ببناء مجمع جديد بقيمة 500 مليون دولار في المدينة يستوعب نحو خمسة آلاف موظف، فيما أصبح عدد العاملين لدى بنك" جي بي مورغان تشيس" في تكساس أكبر من عددهم في نيويورك، كما افتتح" ناسداك" فرعاً جديداً له في الولاية خلال مارس الماضي، بينما تستعد تكساس لإطلاق أول بورصة مستقلة خاصة بها خلال الصيف الحالي تحت اسم" بورصة تكساس".
وتشير التوقعات إلى أن هذه البورصة قد تستقطب إدراجات لشركات كبرى خلال السنوات المقبلة، في خطوة تعكس الطموحات المالية المتزايدة للولاية.
وتسعى تكساس كذلك إلى تعزيز حضورها في مجال قانون الشركات، وهو المجال الذي احتكرت فيه ولاية ديلاوير الصدارة لعقود طويلة.
وفي عام 2024 أطلقت الولاية" محكمة الأعمال في تكساس"، وهي محكمة متخصصة بالقضايا التجارية تضم قضاة ذوي خبرة في النزاعات الاقتصادية والاستثمارية، كما أقرت السلطات المحلية خلال العام الماضي تعديلات قانونية تمنح الشركات حماية أكبر من بعض الدعاوى القضائية التي يرفعها صغار المساهمين، وهو ما اعتبرته أوساط الأعمال خطوة إضافية لتعزيز جاذبية الولاية للشركات الكبرى.
ويرى مسؤولون محليون، وفق التقرير، أن انتقال شركات بحجم إكسون إلى الولاية قد يشجع مزيداً من المؤسسات على اتخاذ خطوات مماثلة خلال السنوات المقبلة.
ولا يقتصر صعود تكساس على المؤشرات الاقتصادية وحدها، بل يمتد إلى الجانب الثقافي أيضاً.
فشركات وعلامات تجارية انطلقت من الولاية، مثل" كيندرا سكوت" و" ييتي" و" بوكيز"، توسعت على المستوى الوطني، بينما أصبحت ثقافة رعاة البقر والموسيقى الريفية جزءاً من المشهد الثقافي الأميركي الأوسع.
ويرى خبراء أن هذه الجاذبية الثقافية تساعد الشركات على استقطاب الكفاءات والموظفين المهرة من مختلف أنحاء البلاد، وهو عامل مهم لاستمرار النمو الاقتصادي مستقبلاً.
ورغم استمرار بعض التحديات المرتبطة بالنمو السكاني السريع والبنية التحتية والاستقطاب السياسي، فإنّ المؤشرات الحالية تشير إلى أن تكساس تواصل تعزيز موقعها كمركز جديد للأعمال والاستثمار في الولايات المتحدة.
ومع انتقال مئات الشركات إليها، وتدفق الاستثمارات في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والخدمات المالية، تبدو الولاية اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى التحول من قوة إقليمية كبرى إلى مركز الثقل الاقتصادي الأول في الولايات المتحدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك