أبدت الحكومة اللبنانية، اليوم الثلاثاء، تفهّماً لما تضمّنه التقرير التشخيصي للحوكمة ومكافحة الفساد في لبنان، الصادر عن صندوق النقد الدولي، والذي تناول الحقبة التي أوصلت الوضع في البلاد إلى ما هو عليه من انهيار، " لا سيما في ما يتعلق بتقييم سبل تعزيز الحوكمة وترسيخ الشفافية والمساءلة وإعادة بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة".
وأصدر صندوق النقد الدولي، أمس الاثنين، تقريراً فنياً تشخيصياً شاملاً نشره عبر موقعه الإلكتروني، أعدّه موظفوه بناءً على طلب السلطات اللبنانية، ويقيّم طبيعة وخطورة الفساد ونقاط الضعف في الحوكمة في وظائف الدولة الرئيسية، لا سيما الحوكمة المالية، والرقابة على القطاع المالي، وحوكمة البنك المركزي، وسيادة القانون، ومكافحة غسل الأموال.
كما استعرض التقرير، الذي اطلع عليه" العربي الجديد"، فعالية قوانين ومؤسسات مكافحة الفساد في لبنان في الحد من مخاطر الفساد، مشيراً إلى وجود مواطن ضعف متفشية في هذا المجال، تتفاقم بسبب الأطر القانونية القديمة، والرقابة المجزأة، والضعف المؤسسي، وهشاشة سيادة القانون.
وتمثل هذه النواقص عوائق رئيسية أمام التعافي الاقتصادي والنمو الشامل في لبنان.
وأوصى التقرير ببرنامج إصلاحي متسلسل ومصمَّم خصيصاً للوضع في لبنان، يهدف إلى تعزيز سيادة القانون، وتحسين حوكمة البنك المركزي والرقابة على القطاع المالي، وإصلاح إدارة المالية العامة، بما يعزز الشفافية والمساءلة والاستقرار الاقتصادي الكلي.
وأصدرت وزارة المالية بياناً قالت فيه إن" التقرير يأتي في مرحلة دقيقة وحساسة يمر بها لبنان، وبعد سنوات من الأزمات المتراكمة والحادة التي أثّرت بشكل عميق على مؤسسات الدولة والاقتصاد وأطر الحوكمة، فإن الحكومة تقرّ بالتحديات والثغرات المتراكمة في مجال الحوكمة التي أشار إليها التقرير، وتؤكد التزامها بمعالجتها بشكل تدريجي، بما يتماشى مع الأولويات الوطنية والقدرات المؤسسية".
وترى الحكومة اللبنانية أن" التوصيات الواردة في التقرير تشكّل إطاراً مهماً لدعم جهود الإصلاح الجارية وتعزيز الشفافية والمساءلة وتفعيل المؤسسات في مختلف القطاعات والمؤسسات العامة"، مضيفة: " في هذا السياق، اتخذت السلطات بالفعل إجراءات تصحيحية ملموسة في مجال المالية العامة، حيث تم الالتزام بالمواعيد الدستورية لإقرار الموازنات منذ موازنة عام 2024، وأوقفت الحكومة اللجوء إلى الاستدانة من مصرف لبنان، كما تم، اعتباراً من عام 2025، وقف العمل بسلفات الخزينة التي كان يتم اللجوء إليها بصورة استثنائية للحفاظ على استمرارية المؤسسات وتيسير المرفق العام خلال سنوات الفراغ السياسي.
وتعكس هذه الخطوات تقدماً مستمراً في تنفيذ إصلاحات الحوكمة وإدارة المالية العامة".
وأكدت الحكومة أن" مسار لبنان نحو إصلاحات فعلية ومستدامة يتطلب، قبل كل شيء، الأمن والاستقرار.
فقد حدّت التوترات الإقليمية والحرب على لبنان المستمرة، والضغوط الاقتصادية والتحديات المؤسسية، من وتيرة التقدّم في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية المعقدة.
ويبقى الحفاظ على الأمن والاستقرار أمراً أساسياً لتمكين التنفيذ الفعّال للسياسات، ودعم تعافي المؤسسات، وضمان استدامة نتائج الإصلاح".
كما تؤكد الحكومة، رغم كل التحديات، التزامها بالمضي قدماً في تنفيذ الإصلاحات الأساسية، بما في ذلك تعزيز إدارة المالية العامة، وتحسين فعالية المؤسسات، وترسيخ أطر مكافحة الفساد والمساءلة، وتحسين جودة الخدمات العامة.
وتتطلع الحكومة إلى" مواصلة التعاون مع صندوق النقد الدولي والشركاء الدوليين"، مقدّرةً جهودهم في مساعدة لبنان على تجاوز مشكلاته، ومؤكدةً مجدداً التزامها بدفع أجندة الإصلاح، ودعم عملية إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، وتعزيز مؤسسات الدولة، بما يسهم في استعادة الثقة ووضع أسس نمو مستدام وشامل.
وخلص تقرير صندوق النقد، الذي أعدّته بعثة رفيعة المستوى بقيادة تينا بورجالياني وفريق من الخبراء الدوليين، إلى أن لبنان يعاني من فساد مستشرٍ ومنهجي يؤثر بشكل كبير على أداء مؤسسات الدولة الرئيسية، مشيراً إلى أن مكامن الضعف في الأطر القانونية التي عفا عليها الزمن، والهياكل المؤسسية المجزأة، والممارسات التي تعزز شبكات المحسوبية.
ومن الأمور المهمة التي يسلط عليها التقرير، افتقار مصرف لبنان إلى ترتيبات مؤسسية لا ترقى إلى المعايير الدولية في ما يتعلق بالحوكمة والاستقلالية والصلاحيات الرقابية، مشيراً كذلك إلى أن اتخاذ قرارات غير شفافة أدى إلى ممارسات وفّرت بيئة خصبة لجمع الأرباح غير المشروعة، كما يتضح من منصة" صيرفة" لتبادل العملات الأجنبية، التي توقفت عن العمل.
وترتكز أولويات الإصلاح الهيكلي، وفقاً للتقرير، على استراتيجية متكاملة تهدف إلى القضاء على الضبابية الإدارية وسياسة الإفلات من العقاب التي تغذي منظومة الفساد.
وفي مقدّمة ذلك بناء نظام قضائي عادل ومستقل ونزيه، بالتوازي مع تعزيز البنية التحتية لمكافحة الفساد، وتفعيل أجهزة الرقابة الرسمية، وتحقيق الشفافية والمساءلة على أعلى مستوى، إلى جانب ضرورة إصلاح حوكمة مصرف لبنان المركزي، وإعادة بناء الثقة به ومصداقيته، والحد من مخاطر الفساد المحيطة بالسياسة النقدية، إضافة إلى ضبط المالية العامة وتحسين إدارة الشركات المملوكة للدولة، وغيرها من ركائز التعافي.
ودعا الصندوق الشركاء الدوليين إلى الاستمرار في تقديم الدعم الفني والمالي للسلطات اللبنانية، لمساعدتها على تنفيذ هذه الحزمة الإصلاحية المعقدة والمصيرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك