رفضت السلطة المستقلة للانتخابات في الجزائر أخيراً ملفات ترشح عدد من قيادات الصف الأول والثاني في أحزاب سياسية كبرى، بعدما كان يُعوَّل عليهم في تنشيط الحملات الانتخابية والإشراف عليها والدعاية لقوائم تلك الأحزاب قبل الانتخابات النيابية المقررة في الثاني من يوليو/تموز القادم.
ويطرح ذلك أسئلة عديدة حول الوضع الاعتباري والسياسي لتلك القيادات في علاقتها بأحزابها وقواعدها، بعد إقصائها من السباق الانتخابي لأسباب متعدّدة، بينها ما يتصل بشبهات الفساد أو القيام بأعمال مشبوهة.
ولم يكن" التجمع الوطني الديمقراطي"، ثاني أكبر أحزاب الحزام الرئاسي، يتوقع أن تتعرض قيادات الصف الأول فيه لهذا القدر من الاستبعاد؛ إذ أُقصي ثلث أعضاء قيادة الحزب الوطنية بعد رفض ملفات ترشح سبعة أعضاء منها، فضلاً عن إقصاء 24 من قيادات الولايات، وهو رقم يبدو الأعلى مقارنةً بباقي الأحزاب.
ولم يشفع لحزب" جبهة التحرير الوطني" كونُه أكبر أحزاب الموالاة وأشدها دعماً لسياسات الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، إذ رفضت السلطة المستقلة للانتخابات ملفات ترشح أربعة من أعضاء مكتبه السياسي، بينهم المكلَّف بالمنتخبين، والعضو المكلَّف بأملاك الحزب في الجلفة، ومسؤول الشؤون القانونية، إضافةً إلى أسماء بارزة في الحزب كإسماعيل دبش ونور الدين السد.
كما رفضت ترشح أكثر من 30 محافظاً ولائياً.
ولم تكن" حركة البناء الوطني"، وهي حركة إسلامية من الحزام الحكومي، في منأى عن ذلك؛ إذ استُبعد ثلاثة من قيادات مكتبها، من بينهم رئيس مكتب الحركة في العاصمة علال بوثلجة، ورئيس الكتلة النيابية بشير عمري، كما رفضت هيئة الانتخابات ملفات ترشح ثلاثة من القيادات الوطنية لـ" جبهة المستقبل" و17 أميناً ولائياً، بينما استبعت قياديان في حزب" صوت الشعب".
وجاءت قرارات الإقصاء استناداً إلى المادة الأولى من القانون الانتخابي التي تحدّد الأهداف الأساسية لهذا القانون، ومنها: " ترسيخ الديمقراطية، وتسهيل التداول على السلطة، وأخلقة الحياة السياسية، وضمان المشاركة الفعالة للمواطنين والمجتمع المدني، وخاصة الشباب والمرأة، وضمان حرية الاختيار للناخبين بعيداً عن أي تأثير مادي أو ضغوط"، وكذا المادة 200 منه وبخاصة بندها السابع المتعلق بألّا" يكون المترشح معروفاً لدى العامة بصلته بأوساط المال والأعمال المشبوهة وتأثيره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الاختيار الحر للناخبين وحسن سير العملية الانتخابية".
وقد شهدت قوى المعارضة هي الأخرى رفض ملفات بعض قياداتها؛ إذ استبعت السلطة المستقلة أربعة من أعضاء القيادة المركزية لـ" حركة مجتمع السلم" وأكثر من 12 مسؤولاً ولائياً، كما استبعدت ثلاث قيادات بارزة في حزب" التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية".
تعليقاً على ذلك، أعد عضو القيادة الوطنية ومسؤول الإعلام في حزب" صوت الشعب"، عرم رجاح، لـ" العربي الجديد"، أن إقصاء القيادات الحزبية من المستوى المركزي أو الجهوي" يطرح فعلياً مشكلة للحزب وللمعني أيضاً على صعيد المصداقية والوضع الاعتباري؛ لأن إقصاء قيادات حزبية يُصعِّب إمكانية نشاطها في وقت لاحق، سواء في إدارة الحملة الانتخابية أو في باقي الاستحقاقات، ولا سيما من تمت تنحيته على خلفية مبررات الأعمال المشبوهة أو العلاقة بأوساط المال الفاسد"، مضيفاً أنه" إذا كانت الانتخابات تمنح التزكية الشعبية للسياسي، فإن قبول الترشح من عدمه يعني تزكية المؤسسات من عدمها".
في المقابل، اعتبر النائب والعضو في" جبهة التحرير الوطني" أحمد رابجي في تصريح لـ" العربي الجديد"، أن هذه القيادات يفترض أن تقدم استقالتها وتخلي مناصبها، طالما تحوم حولها هذه الشبهات بالنسبة للسلطات، مشدداً على أن" الممارسة السياسية تستدعي حالة مختلفة ووضعاً أكثر وضوحاً بالنسبة للأحزاب والسلطات".
ويرى محللون يتابعون الساحة الحزبية والسياسية في الجزائر أن استبعاد قيادات الصف الأول والثاني في الأحزاب، المسؤولة عن الأحزاب في الولايات والمناطق، يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه القرارات ستؤثر في وضعها الاعتباري والسياسي على صعيد العلاقة مع السلطات ومؤسسات الدولة، وعلى صعيد أحزابها والضرر الذي مسَّ مصداقيتها لدى الرأي العام الداخلي، ولا سيّما من استُبعد منهم بأسباب تتصل بشبهات الفساد أو العلاقة بأوساط المال الفاسد.
يُضاف إلى ذلك التساؤل حول قدرتهم على المشاركة في الحملة الانتخابية لإقناع الناخبين بالتصويت لصالح قوائم أحزابهم.
ويقدم الكاتب في الشؤون السياسية محمد أيوانوغان قراءةً لهذه المسألة، إذ يرى أن تحييد القيادات مرتبط بحسابات سياسية تخص الترتيبات الداخلية للأحزاب أو ما يصبُّ في حسابات السلطة.
وقال في تصريح لـ" العربي الجديد": " اعتبارات الإقصاء ليست واضحة ولا مبنية على أي إجراءات قضائية ملموسة، فقانونياً سيواصلون النضال في أحزابهم بشكل عادي".
وأضاف" نعرف جميعاً كيف تسير الأحزاب في بلادنا؛ بعض المرشحين لا يهمهم في النضال سوى الترشح، وبالتالي فإنّ أغلب هؤلاء سيتركون العمل الحزبي.
وهناك فئة أخرى لها ثقل داخل أحزابها، وهذا الإقصاء سيُضعفها ويجعلها مهمشة"، وتابع: " بحسب الوجوه التي أعرفها، خرجت بخلاصة مفادها أن السلطة استغلت هذه الانتخابات للتخلص من تيارات معينة داخل الأحزاب وتشجيع تيارات أخرى، ما يُهيئ هذه الأحزاب لاتخاذ مواقف محدّدة ربما تتعلق بخيارات تستعد السلطة للإعلان عنها في المرحلة القادمة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك