تُعيد أزمة التأشيرات التي بدأت تواجه المشجعين قبل انطلاق كأس العالم 2026 إلى الواجهة مشاهد مشابهة عاشها آلاف عشاق كرة القدم قبل مونديال 1994 في الولايات المتحدة، حين اصطدم كثيرون بإجراءات الهجرة الأميركية ورفض طلبات الدخول، في تجربة يبدو أنها تتكرر اليوم بصورة أكثر تعقيداً واتساعاً، مع تشديد القيود الأمنية والهواجس المرتبطة بالهجرة غير الشرعية، ما أثار إحباط شريحة كبيرة من الجماهير بسبب حرمانها من مرافقة فرقها في الحدث الكروي الأكبر في العالم، وعيش هذه التجربة الاستثنائية التي يحلم بها الملايين، خاصة مع الإقبال المهول على الطلبات في النسخة الحالية.
وبينما تستعد الولايات المتحدة لاستقبال نسخة استثنائية من كأس العالم بالشراكة مع كندا والمكسيك، كشفت العديد من التقارير عن الصعوبات المتزايدة التي تواجه مشجعين من دول مختلفة في الحصول على تأشيرات السفر، تماماً كما حدث قبل أكثر من ثلاثة عقود، حين تحولت البطولة في الولايات المتحدة إلى أزمة دبلوماسية وإعلامية بالنسبة لبعض الحكومات والجماهير الأوروبية والأفريقية.
ومن خلال البحث في المصادر خلال تلك الفترة، كشف تقرير وكالة أسوشييتد برس عن أحداث حصلت يومها قبل مونديال 1994، إذ لم يتمكّن مئات المشجعين الرومانيين من الحصول على تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة، بينما واجه آخرون من بلغاريا وفيجي المصير ذاته، وسط حديث آنذاك عن وصول نسب الرفض في بعض السفارات الأميركية إلى مستويات مرتفعة للغاية.
من جانبها ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن نسبة رفض السفارة الأميركية في بوخارست للطلبات بلغت نحو 50% خلال أشهر البطولة، في وقت كانت فيه دوائر الهجرة الأميركية تتعامل بحذر شديد مع مواطني دول أوروبا الشرقية السابقة خوفاً من تحول بعض الزوار إلى طالبي لجوء سياسي أو مهاجرين غير شرعيين.
أما في بلغاريا، فيُشير المصدر إلى أن نسب الرفض بلغت 80%، ما أثار استياء واسعاً بين محبي هذه الرياضة، الذين كانوا يستعدون للسفر خلف منتخب بلادهم.
ولم تكن نيجيريا بعيدة عن هذه الأزمة، إذ دخلت الحكومة النيجيرية آنذاك في مفاوضات مباشرة مع السلطات الأميركية بعدما رُفضت تأشيرات مئات المشجعين الراغبين في حضور مباريات منتخبهم، وفقاً لما نشرته صحيفة" لوس أنجليس تايمز".
ونقلت الصحيفة عن المتحدث باسم مكتب الشؤون القنصلية الأميركية غاري شيفر قوله آنذاك، إنّ على المتقدمين إثبات عدم نيتهم البقاء في الولايات المتحدة بعد البطولة، مشيراً إلى وجود" شكوك" لدى السلطات الأميركية بشأن بعض الطلبات النيجيرية.
وفي خضم ذلك، اضطرت الولايات المتحدة إلى تخفيف الحظر الجوي المفروض على الخطوط النيجيرية، والسماح برحلات استثنائية لنقل المنتخب وأكثر من ألف مشجع، مع فرض إجراءات أمنية إضافية تشمل التوقف في السنغال لإجراء عمليات تفتيش دقيقة بإشراف أميركي، في خطوة عكست حجم الحساسية الأمنية التي أحاطت بالمونديال حتى في ذلك الوقت.
أما التجربة الإيرلندية، فبدت واحدة من أكثر النماذج وضوحاً في كيفية تحول أزمة التأشيرات إلى قضية سياسية كاملة، فوفقاً لوثائق نشرتها الصحافة الإيرلندية من الأرشيف الوطني، فقد كانت الحكومة هناك تخشى بشدة من التداعيات الشعبية والإعلامية لرفض تأشيرات المشجعين قبل مونديال 1994.
وتشير الوثائق إلى أنّ نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية حينها ديك سبرينغ طلب من مسؤولي الإدارة الأميركية التعامل بـ" أقصى قدر من المرونة والحساسية" مع طلبات جماهير بلاده، برغم أن التقديرات أظهرت أن نسبة الرفض بلغت 4% فقط، وهي تعني حرمان نحو 800 مشجع من السفر إلى الولايات المتحدة، من أصل حوالى 20 ألف مشجع كانوا يخططون لمساندة منتخب جاك تشارلتون.
وقال سبرينغ حينها: " قد يبدو هذا العدد ضئيلاً في الولايات المتحدة، لكنه سيكون له أثر سلبي بالغ في إيرلندا"، فيما حذر السفير الإيرلندي في واشنطن ديرموت غالاغر من أن المشجعين المرفوضين قد يتحولون إلى قضية رأي عام" صاخبة للغاية"، كما أشار المسؤولون الإيرلنديون إلى أن المشكلة الأساسية تتعلق بالشباب غير المتزوجين، الذين قد يقرّرون السفر في اللحظات الأخيرة بدافع الحماس، وهو ما كانت السلطات الأميركية تعتبره مؤشراً مقلقاً لاحتمال البقاء داخل البلاد بعد انتهاء البطولة.
ورغم محاولات الجانب الإيرلندي تقديم تطمينات وضمانات، فإن السلطات الأميركية تمسكت بموقفها، إذ أكدت مساعدة وزير الخارجية الأميركي للشؤون القنصلية ماري رايان آنذاك أن نسبة الرفض بلغت 4.
3%، مضيفة أنّ أي نظام للكفالة أو الضمانات سيكون" مرهقاً للغاية" ولا يمكن تطبيقه إلّا في" حالات نادرة"، ورد سبرينغ بتحذير واضح قائلاً على إثرها: " إذا كان هذا سيحدث، فعلى الولايات المتحدة أن تكون مستعدة لتداعيات الرأي العام"، خصوصاً مع التقديرات التي تحدثت عن إنفاق الجماهير الإيرلندية نحو 50 مليون دولار خلال فترة البطولة.
وبينما يُنتظر أن تستقطب النسخة المقبلة ملايين المشجعين من مختلف أنحاء العالم، يتزايد القلق من أن تتحول التأشيرات مرة أخرى إلى الحاجز الأكبر أمام جماهير كرة القدم، وأن تعيش بعض الدول السيناريو ذاته الذي عاشته رومانيا ونيجيريا وإيرلندا قبل مونديال 1994، وربما بصورة أشد قسوة هذه المرة، مثل حرمان مشجعي إيران وهايتي على سبيل المثال من دعم فرقهم إضافة للعديد من الدول الأخرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك