لا أدري كيف يمكن للإنسان أن يفسر ذلك الحزن الذي يعتصر قلبه وهو يغادر مكة بعد طواف الوداع.
ولا أدري ما السر الذي أودعه الله في هذه البقعة من الأرض حتى تجعل الملايين يبكون عند مغادرتها أكثر مما يبكون عند فراق أوطانهم أحيانًا.
فلو نظرنا إليها بعين الجغرافيا المجردة، لرأينا جبالًا صخرية رمادية اللون، وأودية جافة، وأرضًا لا تفيض بالخضرة ولا تتدفق فيها الأنهار.
ومع ذلك، ما إن تطأها القدم حتى يتغير شيء عميق في النفس، وما إن يحين موعد الرحيل حتى يشعر المرء وكأنه يُنتزع من جزء من روحه.
سرّ لا تفسره الخرائط، ولا تشرحه الطبيعة، ولا تدركه العين وحدها.
إنه سر المكان الذي اختاره الله ليكون قبلة لأكثر من مليار مسلم، وسر البيت الذي رفع قواعده إبراهيم عليه السلام بيديه، وسر الوادي الذي شهد هرولة هاجر بين الصفا والمروة بحثًا عن الماء لولدها إسماعيل، حتى تفجر زمزم رحمةً باقية إلى قيام الساعة.
في طواف الوداع لا تطوف حول الكعبة فقط، بل تطوف حول تاريخ طويل من الإيمان.
تنظر إلى الحجر الأسود فتتذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استلمه هنا.
وتمشي حيث مشى.
وتقف حيث وقف.
وترفع يديك بالدعاء في المكان نفسه الذي رفع فيه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أيديهم من قبل.
تدور حول البيت العتيق فتشعر أن الزمن قد انكسر فجأة، وأن القرون كلها اجتمعت في لحظة واحدة.
وهنا دعا الأئمة والعلماء والفقهاء.
وهنا سجد الصالحون الذين لم تحفظ كتب التاريخ أسماءهم، لكن الله حفظ خطواتهم ودعواتهم ودموعهم.
وأنت تطوف بينهم جميعًا كأنك فرد من قافلة لم تنقطع منذ أربعة عشر قرنًا.
في تلك اللحظات، وجدت نفسي أفكر في حجاج الأندلس الذين جئت من أرضهم.
وصلت إلى مكة في ست ساعات فقط، بينما كانوا هم يودعون أهلهم وأحبتهم لشهور طويلة وربما لسنوات.
كانوا يعبرون المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر والسودان، ويشقون الصحارى والقفار، ويواجهون الجوع والعطش والمرض وقطاع الطرق، ولا يعلمون هل سيصلون إلى البيت الحرام أم ستنتهي رحلتهم قبل ذلك.
كم من أندلسي خرج من قرطبة أو غرناطة أو إشبيلية وهو يعلم أن طريق الحج قد يكون طريق اللاعودة!وكم من حاج دفن في الصحراء أو على شاطئ أو في سفينة قبل أن تقع عيناه على الكعبة!ثم أصل أنا بعد ساعات قليلة لأقف في المكان نفسه الذي حلموا به، وأطوف حول البيت نفسه الذي اشتاقوا إليه، فأشعر بخجل جميل أمام عظمة تلك التضحيات.
وفي طواف الوداع تتزاحم هذه الخواطر كلها دفعة واحدة.
والعين معلقة بالكعبة كأنها تحاول أن تحفظ تفاصيلها للمرة الأخيرة.
وتتمنى لو أن الأشواط السبعة لا تنتهي.
وتشعر أن في صدرك دعاءً واحدًا يتكرر بصمت:اللهم لا تجعل هذا آخر العهد ببيتك الحرام.
لكن الحزن لا يأتي فقط من فراق الكعبة.
وداع الوجوه التي عرفتها في أيام قليلة وأحسست أنها صارت جزءًا من حياتك.
أصدقاء جاؤوا من أقصى آسيا.
وآخرون خرجوا من أدغال إفريقيا.
وغيرهم قدموا من ثلوج أقصى شمال أوروبا.
اجتمعتم حول قبلة واحدة، وأكلتم على موائد واحدة، ورفعتم الأكف بالدعاء في الأماكن نفسها.
كان لكل واحد منهم لغة مختلفة وقصة مختلفة وملامح مختلفة، لكن القلوب كانت تتحدث اللغة نفسها.
يتجه كل واحد إلى مطار مختلف وقارة مختلفة وحياة مختلفة.
لكن شيئًا من أرواحكم يبقى معلقًا هناك بين مآذن الحرم وأروقة الطواف.
وأنت تغادر مكة تدرك أن الحنين إليها ليس كأي حنين آخر.
ولا تنهيه العودة إلى البيت والأهل والأولاد.
بل ربما يزداد كلما ابتعدت عنها.
تفاجئك صورتها في صلاة الفجر.
ويفاجئك صوت التلبية في الذاكرة وأنت تمشي في شارع بعيد.
وتجد نفسك تستعيد مشهد الكعبة بلا سبب، فتبتسم مرة، وتدمع عيناك مرة أخرى.
لذلك لا يغادر الناس مكة حقًا.
أجسادهم فقط هي التي ترحل.
أما القلوب فتبقى هناك، تطوف حول البيت العتيق، وتسعى بين الصفا والمروة، وتشرب من زمزم، وتنتظر بشوق موعد العودة.
ولعل هذا هو السر الذي يجعل تلك الجبال الصخرية الرمادية أعظم من كل بقاع الأرض في عيون المؤمنين.
فليست قيمة الأماكن بما فيها من ماء وخضرة وجمال طبيعي، وإنما بما أودعه الله فيها من نور ومعنى وبركة.
ولهذا، حين ينتهي طواف الوداع، لا يكون الوداع وداعًا لمكان فحسب، بل وداعًا لأيام شعر فيها الإنسان أنه أقرب إلى السماء مما كان في أي وقت آخر من حياته.
وما أصعب أن يودع المرء قطعة من الجنة الروحية وهو يعلم أن قلبه سيظل هناك طويلًا… طويلًا جدًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك