على مدار أكثر من 3 سنوات ونصف تقريبا كتبت العديد والعديد من المقالات عبر بوابة فيتو العزيزة المحترمة الجريئة، كان أغلبها محوره عن مطالبة الفنانين وصناع الفن بكافة أنواعه، خاصةً السينما والتليفزيون، بضرورة العودة إلى زمن الفن الجميل، الذي أنتجت خلاله مئات الأعمال الرائعة، التي كانت حريصة أشد الحرص على غرس القيم النبيلة والأخلاق الحميدة في نفوس الجمهور بمختلف طبقاته وأعماره واتجاهاته وإبراز النماذج الإيجابية والمثل العليا.
من منطلق إيمان صناع هذه الأعمال برسالة ودور الفن في الارتقاء بالمجتمع وتشكيل وجدان أفراده بشكل صحيح وإيجابي، يجعلهم فاعلين ومؤثرين في بناء وتقدم الوطن وازدهاره، أعمال تربينا عليها أجيال وراء أجيال ومازلنا نستمتع بها حتى الآن.
وكان هاجسي الرئيس ومحركي الأول في ذلك الانحدار الشديد والتدني الرهيب الذي بلغ به السيل الزبى، والذي وصل إليه حال الفن في السنوات الأخيرة، بصفة خاصة منذ أحداث يناير 2011، التي أخرجت أسوء ما فينا للأسف!من حض على العنف والدماء والجريمة بكل صورها وترويج للبلطجة، وانحرافات وللعلاقات المحرمة والمخدرات وللأمراض النفسية التي تعكس ما بداخل صناع هذه الأعمال، التي لا تمت للفن الحقيقي الصحيح بأي صلة!ورغم تحذيرات الرئيس المتكررة ودعواته لصناع الفن بضرورة إعادة الفن إلى مساره الصحيح والبحث عن الأعمال الهادفة التي تراعي قيم وأخلاق الأسرة والمجتمع، إلا أن وتيرة هذه الأعمال الفاسدة والمفسدة مازالت كما هي ولا حياة لمن تنادي، وهو ما شاهدناه في العديد من مسلسلات رمضان الفائت وأغلب الأفلام التي عرضت في الفترة الأخيرة.
كنت قد تساءلت وتعجبت في مقال سابق قريب عن مدى استحقاق فيلم برشامة لهذا الرقم الخيالي من الإيرادات، والتي وصلت إلى 215 مليون جنيه منذ بداية عرضه في موسم عيد الفطر وحتى الآن، جعلته ينفرد بالمرتبة الثانية في قائمة أكثر الأفلام تحقيقا للإيرادات في تاريخ السينما المصرية بعد فيلم ولاد رزق 3 الذي حصد 260 مليون جنيه!وذلك على الرغم من المستوى الفني المتواضع للفيلم شكلا وموضوعا وكتابتًا وإخراجًا، ولا يوجد به أي إبهار أو تنوع بصري، حيث تنحصر أحداثه في مكان واحد فقط 'المدرسة'، ولا يقوم ببطولته نخبة من ألمع النجوم، وحتى من ناحية التمثيل والممثلين، كان معظمهم عاديين باستثناء نجم الكوميديا القادم بقوة مصطفى غريب ومتعدد الوجوه حاتم صلاح والقدير باسم سمرة.
ومن ثم لم أجد أسباب منطقية واضحة لهذا النجاح والإقبال الجماهيري المدوي، فتساءلت مرة أخرى ماذا جرى للجمهور؟ !وبعد تفكير وبحث وتحليل وصلت إلى أن فيلم برشامة نعم به جرعة كبيرة من الضحك والكوميديا في زمن عز فيه الضحك وغلى سعره جدا، وسط ظروف اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية هي الأصعب في تاريخ مصر الحديث، والضحك في مثل هذه الظروف عملة نادرة مطلوبة بشدة للتنفيس عن الناس.
ولكن هل يشفع هذا للفيلم الذي يعتبر الغش شطارة وليس عملًا مشينا مرفوضا ومحرما شرعًا، بقول الرسول الكريم 'صلى الله عليه وسلم' في حديث شريف “من غشنا فليس منا”، فيلم يروج لنماذج سلبية مشوهة في المجتمع من خلال مجموعة طلبة الثانوية العامة منازل، التي تجتمع في مدرسة لامتحان اللغة العربية.
نماذج متباينة الدوافع والأهداف، راقصة ترغب في النجاح لتحصل على عمل حلال، وهل العمل الحلال يحتاج إلى شهادة؟ ! ومجرم خطير سجين يخطط مع بعض رفاقه في الهروب من السجن، وعجوز ترغب في النجاح بالغش لزيادة معاشها ب 760 جنيها، وقروي ساذج وغبي لا يفقه شيء يحاول أبوه العمدة الفاسد الجبار أن ينجحه في الثانوية بأي وسيلة غير مشروعة، لكي يكون متعلما ويستلم العمودية من بعده.
وشاب متفوق وملتزم يرغب في إعادة الامتحان لتحقيق تفوق أكبر ويقف وحيدا في مواجهة زملائه الغشاشين بلجنة الامتحان، ولكنه يستسلم في النهاية لهم بلا سبب منطقي ويدعهم يغشون.
وهكذا شخصيات غير سوية ومشوهة، تستخدم ألفاظ وعبارات وحركات وايماءات وتعبيرات جريئة وخادشة، بل وتتطاول وتطلق النكات الرخيصة على الثوابت الدينية والقيم المتوارثة، ورغم كل ذلك فإن فيلم برشامة للأسف يفضح ويعري ويكشف الكثير من موبقاتنا وسلوكياتنا المشينة، وأزماتنا الواضحة في أخلاقنا وأفكارنا ودوافعنا وديننا ومؤسساتنا وأنظمتنا، وما خفي كان أعظم من حالنا المؤسف الذي صرنا إليه في السنوات الأخيرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك