ليس من السهل التنبؤ بالطريقة التكتيكية التي سيلعب بها منتخب ألمانيا في كأس العالم، لأن مدربه يوليان ناغلسمان يحب التغيير المستمر في التشكيلة والخطط.
اضافة اعلانوقد انعكس ذلك خلال التصفيات، حيث قدم المنتخب الألماني خمس مباريات تراوحت بين المتوسطة والضعيفة، كان أبرزها الخسارة أمام سلوفاكيا بنتيجة 2-0، وهي نتيجة كان من الممكن أن تكون أكبر لولا بعض التفاصيل.
لكن المنتخب رد بقوة في مباراة الإياب، واكتسح منافسه بنتيجة 6-0، قبل أن يحسم صدارة مجموعته بشكل مريح.
ومن المرجح أن يعتمد ناغلسمان على التشكيلة التي خاضت تلك المباراة في لايبزغ، مع مطالبته اللاعبين بإظهار الحماس والعاطفة داخل الملعب، ويقول ناغلسمان: " علينا أن نلعب بالعاطفة".
ويُنظر إلى المدرب الألماني على أنه مهووس بالتفاصيل التكتيكية، وغالباً ما يُشاهد وهو يصرخ ويوجه التعليمات بانفعال من المنطقة الفنية.
تقليدياً، كانت وصفة النجاح الألمانية تقوم على الاستفادة من العناصر التي تحقق النجاح في نادي بايرن ميونخ، وهي المعادلة التي ساهمت في التتويج بكأس العالم العامين 1974 و2014.
وفي البداية تبدو الظروف مواتية لتكرار هذا السيناريو، خاصة أن الموسم كان ناجحاً للغاية بالنسبة إلى بايرن ميونخ، النادي الألماني الوحيد الذي يُصنف ضمن النخبة العالمية في الوقت الحالي.
ولهذا السبب، من المتوقع أن يعتمد ناغلسمان على مجموعة كبيرة من لاعبي بايرن ميونخ، يتقدمهم جوناثان تاه، وألكسندر بافلوفيتش، ويوشوا كيميش، وليون غوريتسكا، وجمال موسيالا، إضافة إلى البديل المؤثر لينارت كارل، في ظل غياب سيرج غنابري بسبب الإصابة، فضلاً عن الحارس المخضرم مانويل نوير الذي أنهى اعتزاله الدولي في أيار (مايو) الماضي من أجل خوض كأس العالم الخامسة في مسيرته.
لكن يبقى السؤال: هل يمكن الاعتماد على هذا المحور البافاري؟فموسيالا يمر بفترة تراجع في المستوى، ولم يكن خلال الأشهر الأخيرة أكثر تأثيراً من غوريتسكا، الذي جلس على مقاعد البدلاء في معظم المباريات المهمة خلال النصف الثاني من الموسم، ومع ذلك يبدو مرشحاً أساسياً للعب تحت قيادة ناغلسمان.
أما كيميش، فسيلعب مع المنتخب في مركز مختلف عن مركزه مع بايرن ميونخ، إذ سيشغل مركز الظهير الأيمن بدلاً من لاعب الوسط المحوري، وهو حل ينطوي على بعض المخاطر.
ويمثل كيميش مشكلة أوسع في كرة القدم الألمانية الحالية، وهي غياب اللاعبين أصحاب الجودة الفردية الاستثنائية.
فهو بلا شك أحد أساتذة الانضباط والالتزام والصفات التقليدية التي اشتهرت بها الكرة الألمانية، لكنه كقائد للمنتخب لا يرتقي، بسبب نقاط ضعفه في الالتحامات الثنائية والمواجهات الفردية، إلى مستوى أسلافه مثل لوثار ماتيوس، ومايكل بالاك، وفيليب لام.
كما أن ألمانيا التي طالما افتخرت بحراس مرماها ومدافعيها العظماء لم تعد تمتلك الوفرة نفسها، رغم عودة نوير في سن الأربعين.
وفي خط الوسط أيضاً، يفتقد المنتخب لاعبين من طراز توني كروس أو مسعود أوزيل القادرين على التحكم بإيقاع اللعب وصناعة الفارق.
ورغم ذلك، فإن الأمل الأكبر يبقى في الخط الأمامي.
ففي مركز صانع الألعاب، يمتلك ناغلسمان خيارات عديدة تتمثل في فلوريان فيرتز، وجمال موسيالا، وكاي هافيرتز، ولينارت كارل، وجميعهم يملكون مهارات فنية استثنائية.
ومن المتوقع أن يعتمد على هافيرتز كمهاجم متأخر، إذ لم يكن هناك شك يوماً في قدراته الفنية، بل في قدرته على ترجمة الفرص إلى أهداف.
ويبقى السؤال: هل سيكون أكثر حسماً مما كان عليه خلال بطولة أمم أوروبا 2024؟سيكون عليه ذلك بالفعل، لأن المنتخب الألماني يفتقد حتى الآن للمهاجم التقليدي الصريح، في ظل عدم ترسيخ نيكلاس فولكروغ، ونيك فولتيماده لمكانهما بشكل نهائي.
تزداد الأصوات المنتقدة ليوليان ناغلسمان داخل أوساط كرة القدم الألمانية.
وكان آخر المنتقدين أولي هونيس، الرئيس الفخري المؤثر لنادي بايرن ميونخ، الذي اتهم المدرب بسوء فهم دوره الحقيقي.
وقال هونيس: " مدرب منتخبنا الوطني يعتقد أنه هو من يفوز بالمباريات.
لا، الفريق هو من يفوز بالمباريات".
ولم يحقق ناغلسمان حتى الآن سوى سلسلة من النتائج المتباينة، كما أنه غالباً ما يضع نفسه في مواقف صعبة بسبب بعض تصريحاته الغريبة.
فعقب الفوز على غانا بنتيجة 2-1 في آذار (مارس)، انزعج من أسئلة الصحفيين ووجه انتقاداً علنياً إلى صاحب هدف الفوز دينيز أونداف.
قبل عشرة أعوام، عندما كان مدرباً شاباً للغاية، أنقذ هوفنهايم من الهبوط، ثم قاد النادي بعد فترة قصيرة إلى دوري أبطال أوروبا.
ويبلغ ناغلسمان الآن 38 عاماً فقط، لكن الوعود الكبيرة التي أحاطت به في بداياته، عندما اعتبره كثيرون مشروع مدرب عبقري واستثنائي، لم تتحقق بالكامل حتى الآن.
يجمع فلوريان فيرتز بين صفات صانع الألعاب المبدع ولاعب الفريق المجتهد بشكل نادر للغاية.
وقال ناغلسمان عنه: " إنه لاعب مجتهد جداً وليس من نوعية صانعي الألعاب التقليديين الذين يريدون الكرة فقط، بل يعمل كثيراً أيضاً من أجل الفريق".
وقد دافع المدرب عن فيرتز، عندما تعرض للانتقادات خلال الأشهر التي أعقبت انتقاله إلى إنجلترا.
ورغم أن موسمه الأول مع ليفربول لم يكن سيئاً، إلا أنه لم يكن جيداً بما يكفي إذا ما قورن بإمكاناته الكبيرة وقيمة انتقاله المرتفعة.
وينطبق الأمر ذاته إلى حد ما على مستواه مع المنتخب الألماني.
فعندما يواجه منافسين من مستويات أقل، كما حدث في الفوز على سويسرا بنتيجة 4-3 في آذار (مارس)، يستطيع فيرتز أن يبهر الجميع بلمساته الفنية وقدرته على التعاون مع كاي هافيرتز أو لينارت كارل.
لكن إذا أرادت ألمانيا تحقيق النجاح في كأس العالم، فإن اللاعب البالغ من العمر 23 عاماً، سيكون مطالباً بتقديم المستوى نفسه أمام المنتخبات الكبرى.
في سن العاشرة، خضع لينارت كارل لاختبارات في ملعب سانتياغو برنابيو، لكنه قرر البقاء في ألمانيا.
وعندما صرح في كانون الثاني (يناير) بأن ريال مدريد هو نادي أحلامه وأنه يرغب يوماً ما في ارتداء قميصه، أثار غضب بعض جماهير بايرن ميونخ.
لكن هذه الثقة الكبيرة بالنفس، الممزوجة بالهدوء والجرأة، ربما تكون أكثر ما يميز اللاعب البالغ من العمر 18 عاماً.
قبل عام واحد فقط، كان يلعب ضمن فريق بايرن ميونخ تحت 19 عاماً، أما الآن فأصبح أحد أكثر اللاعبين إثارة للخوف بفضل مهاراته في المراوغة.
وخاض أول مباراة دولية له في آذار (مارس) الماضي، وقال ناغلسمان عنه: " إنه أكثر هدوءاً مما توقعت.
لم أشعر إطلاقاً بأن الضجة الإعلامية أثرت عليه أو أصابته بالغرور".
قد يحصل نيكو شلوتربيك وأنتونيو روديغر على اهتمام إعلامي أكبر، لكن أفضل مدافع في المنتخب الألماني حالياً هو جوناثان تاه.
فقدرته على الافتكاك والالتحامات، إلى جانب هدوئه في التعامل مع الكرة، ستكون عناصر حاسمة بالنسبة إلى ألمانيا في البطولة.
ولا يُعرف تاه بكثرة الكلام، كما يبدو شخصاً هادئاً خارج الملعب.
لكن داخل المستطيل الأخضر، يبدو أنه وجد دوره الحقيقي، وسيخوض في الولايات المتحدة أول مباراة له في كأس العالم بعمر الثلاثين عاماً.
وقال قبل عامين في مقابلة مع صحيفة" تسايت": " لم يكن اللعب ضدي ممتعاً يوماً لأنني أمتلك قوة بدنية كبيرة".
وأضاف: " أما الآن فأصبحت أكثر إزعاجاً للمنافسين، لأنني أبقيهم دائماً تحت المراقبة وألتصق بهم باستمرار".
من أشهر هتافات الجماهير الألمانية: " أوليه.
سوبر دويتشلاند.
أوليه" و" دويتشلاند.
دويتشلاند.
دويتشلاند".
لكن هذه الهتافات لا تضاهي الإبداع الذي يظهره موسيالا أو كارل في المراوغات.
وخلال بطولة أمم أوروبا التي استضافتها ألمانيا قبل عامين، اشتكى ناغلسمان من هدوء الجماهير وقلة حماسها.
وكعادتها، تعاملت ألمانيا مع المشكلة بطريقة منظمة، حيث أنشأ الاتحاد الألماني لكرة القدم في العام 2024، مجموعة عمل خاصة لتحسين الأجواء الجماهيرية حملت اسم" إيه جي شتيمونغ".
وقال قائد الهتافات بينغت كونكل: " الناس يريدون الغناء، لكنهم يحتاجون فقط إلى شخص يخبرهم بما يجب أن يغنوه".
ومع ذلك، لن يسافر كونكل إلى الولايات المتحدة، فهو يشارك كثيراً من المشجعين شعورهم بأن هذه النسخة من كأس العالم أصبحت ضخمة ومكلفة أكثر من اللازم.
ورغم ذلك، فمن المتوقع أن يتواجد عدد أكبر من الجماهير الألمانية في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، مقارنة بما كان عليه الحال في قطر.
العلاقة مع الولايات المتحدة وترامبمثل حال كرة القدم الألمانية نفسها، مرت العلاقة الألمانية الأميركية بأيام أفضل.
ففي نهاية نيسان (أبريل)، انتقد المستشار الألماني فريدريش ميرتز الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام مجموعة من طلاب المدارس، قائلاً: " إنه دخل في حرب مع إيران من دون استراتيجية واضحة".
ورد ترامب بأن ميرتز لا يعرف ما يتحدث عنه ويقوم بعمل سيئ للغاية.
وربما ما يزال المستشار الألماني ومدرب المنتخب الوطني بحاجة إلى تعلم درس مهم، وهو أن التعبير عن كل ما يدور في الذهن، ليس دائماً فكرة جيدة.
وقد اضطر ناغلسمان في أكثر من مناسبة خلال مسيرته، إلى التراجع عن بعض تصريحاته.
ولا ينبغي لأحد أن يتوقع أي مواقف احتجاجية من الاتحاد الألماني لكرة القدم، خلال كأس العالم في الولايات المتحدة.
فقد دار نقاش قصير في ألمانيا، حول إمكانية مقاطعة البطولة بسبب أزمة غرينلاند، لكنه لم يستمر طويلاً.
ويبدو أن الاتحاد الألماني ما يزال متأثراً بتداعيات قضية شارة" وان لوف"، التي أثارت جدلاً واسعاً خلال كأس العالم 2022 في قطر.
وقال قائد المنتخب يوشوا كيميش: " لم أعد أشارك في النقاشات السياسية.
لقد رأينا أن حديث اللاعبين في السياسة لا يكون مثمراً في معظم الأحيان".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك