عمان-" هذا الجينز من أي براند؟ "، " شو اسم ماركة هذا الفستان؟ "، " أريد كل ملابسي من هذا البراند"، جمل كبيرة تخرج من طفل صغير، وعبارات لم تعد غريبة حين تصدر منه، في مشهد يعكس تغيرا واضحا في اهتمامات الطفولة اليوم.
اضافة اعلانوبعيدا عن الانشغال بالألعاب والهوايات الطفولية، أصبح بعض الأطفال يهتمون بالملابس التي يرتدونها، واسم العلامة التجارية الموجودة عليها، بل وقد يصل الأمر إلى التباهي بين الأصدقاء بامتلاك قطع من ماركات معروفة.
والواقع أن هناك اهتماما متزايدا بـ" البراندات"، التي بدأت تشغل حيزا من تفكير الأطفال رغم صغر سنهم، وسط اعتقادات بأن من حولهم ومتابعتهم للمنصات الرقمية قد تكون البذرة التي زرعت هذه الفكرة في عقولهم.
ومع هذا التحول، اختلفت الاهتمامات عما مضى، وأصبحت الشكليات تأخذ حيزا من طفولتهم البريئة، لتتراجع بساطة الطفولة لصالح المظاهر، ما يثير قلق أولياء الأمور، إلى جانب الأعباء المادية التي تفرضها هذه الرغبات المتزايدة.
وهو ما يفتح الباب أمام مخاوف أعمق تتعلق بتكوين شخصية الطفل، ونظرته إلى نفسه والآخرين.
وهنا يبقى السؤال: متى وكيف تسلل هذا التفكير إلى عقول الأطفال؟ وكيف يمكن للأهل توعية أبنائهم وتصحيح هذا التفكير؟التفاخر والتباهي بالأمور الماديةالعمة ضحى (29 عاما) تتحدث عن موقف حدث مع أولاد شقيقها عندما فاجأتهم بملابس جديدة، ليكون سؤالهم الأول: " شو البراند لهذه القطعة؟ "، ما بدا عليها معه ملامح الاستغراب.
وتوضح أنها في البداية حاولت أن تعلمهم ألا يفكروا بهذه الطريقة، وأن الأمر ليس مهما كما يظنون، وبدأت تتحدث معهم عن ضرورة ألا يكون قياس الأشياء مبني على العلامة التجارية.
وتؤكد ضحى أنها لا تريد أن يتأذوا في المستقبل، لأن الظروف قد تكون أصعب وتريد أن يتعلموا أن القناعة من أهم الخصال التي قد ترافقهم في حياتهم، بعيدا عن العناد والتفاخر والتباهي بالأمور المادية.
بينما دلال (36 عاما) تعاني مع ابنتها الصغيرة التي لا يتجاوز عمرها العشرة أعوام، ففي كل مرة تشتري لها الملابس، يجب أن تنسقها من مكان واحد وأن يكون المتجر يحمل علامة تجارية معروفة" براند"! ومن المستحيل أن تقتنع بمتجر محلي.
وتدرك دلال أن هذا الأمر خطأ، لكنها لا تريد أن ترفض طلبات ورغبات ابنتها، وتريد أن تلبي لها احتياجاتها حتى لا تحزن أو تشعر بالنقص.
وكذلك الحال مع سعاد (42 عاما)، فطفلتها الصغيرة لا تقبل أن تشتري ملابسها من أي متجر، وتبقى تتجول بين المتاجر المعروفة، وعند سؤال والدتها عن إصرارها على ذلك، أخبرتها بأنها تريد أن تتباهى بالمكان الذي اشترت منه ملابسها.
وهذه الفكرة أقلقتها كثيرا، وجعلتها تفكر من جديد بطريقة تصرفها مع ابنتها وكيفية تلبية حاجاتها، وتعديل هذا السلوك، مؤكدة أن التفاخر والتباهي سلوك غير جيد، بل يقلل من قيمة الإنسان ويجعله سطحيا.
التأثر بالمشاهير وصناع المحتوىبدورها، تبين المتخصصة في الإرشاد النفسي والتربوي في الجامعة الهاشمية د.
سعاد غيث أن اهتمام الأطفال المبكر بالعلامات التجارية لا يمكن تفسيره على أنه مجرد تقليد بسيط فقط، وإن كان التقليد أحد الأسباب المهمة التي لا يمكن إنكارها.
وتنوه أن الطفل في المراحل العمرية المبكرة يتعلم من خلال النمذجة والملاحظة، فهو يراقب والديه ومحيطه، بالإضافة إلى المشاهير وصناع المحتوى الذين يروج كثير منهم للعلامات التجارية بشكل مستمر.
وبحسب غيث، فإن الطفل يحاول بعد ذلك تقليد ما يراه، فيبدأ بالملاحظة والتجربة، كما يتأثر بردود فعل الكبار عندما يمدحون الملابس الغالية أو يتحدثون بإيجابية عن الماركات، فيشعر أن اقتناء هذه الأشياء يعني امتلاك شيء مميز وذي قيمة عالية.
وبذلك يتم ربط الأناقة بالمكانة الاجتماعية، فيتعلم الطفل تدريجيا أن الأناقة مرتبطة بالعلامات التجارية، ويلتقط هذه الرسائل بصورة غير مباشرة.
وتؤكد غيث أن الأمر أعمق من مجرد تقليد، لأن الطفل اليوم يعيش في بيئة استهلاكية وبصرية مكثفة، تحيط به عبر منصات التواصل الاجتماعي والإعلانات المنتشرة في التلفاز والشوارع والشاشات.
وتشير غيث إلى أن الطفل لم يعد ينظر إلى الملابس على أنها مجرد حاجة أساسية، بل أصبح يراها رمزا للقوة والتميز والانتماء إلى فئة أو طبقة اجتماعية معينة، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية عندما تتحول العلامة التجارية من مجرد شعار على قطعة ملابس إلى وسيلة تمنح الطفل شعورا أكبر بالثقة والقبول بين أقرانه.
حاجة نفسية للانتماء أو للشعور بالثقةوتفسر غيث أن الماركات أصبحت بمثابة" لغة اجتماعية"، بين الأطفال، فالطفل لا يقول لوالديه بشكل مباشر" أريد أن يحبني أصدقائي"، لكنه يطلب شراء علامة تجارية معينة ليحظى بالقبول بينهم، كما أنه لا يعبر صراحة عن خوفه من أن يكون أقل من أصدقائه، بل يصر على شراء حقيبة مدرسية أو حذاء رياضي من" براند" معروف.
وترى غيث أن التعلق بالمظاهر والعلامات التجارية قد يكون وسيلة للتعبير عن حاجة نفسية للانتماء أو للشعور بالثقة، أو لتجنب السخرية والمقارنات بين الأطفال، خاصة أن بعضهم قد يتهكم على من لا يرتدي ملابس تحمل علامات تجارية معروفة.
إن اهتمام الأطفال بالماركات ليس مجرد دلال أو تقليد عابر، وإن كان ذلك جزءا من الصورة، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين الطفل والأسرة والإعلام والثقافة الاستهلاكية، في وقت يتعرض فيه الأطفال اليوم لمؤثرات استهلاكية مكثفة وفي سن مبكرة لا تتناسب مع احتياجاتهم النفسية والعمرية.
ووفقا لذلك، تبين غيث أن تأثير هذا الهوس على شخصية الأطفال كبير وواضح، فعندما يمتلك الطفل اهتماما مفرطا بالماركات، ويصبح كل ما يحيط به مرتبطا بـ" البراند"، فإن الأمر ينعكس مباشرة على نظرته إلى نفسه وقيمته الشخصية.
وتوضح غيث أنه إذا كان الطفل يعيش ضمن بيئة اجتماعية واقتصادية معتادة على هذا النمط من الاستهلاك، فقد يبدو له الأمر طبيعيا، بل وقد يمنحه شعورا بالاندماج والقبول داخل محيطه.
ثقة بالنفس قائمة على عوامل متغيرةأما إذا كانت هذه الثقافة دخيلة عليه، أو إذا حاول الأهل وضعه في بيئات تفوق إمكاناتهم الاقتصادية، فقد يؤدي ذلك إلى شعور بالنقص وعدم الكفاية.
وتنوه إلى أن ذلك يظهر أحيانا لدى بعض الأهالي الذين يضعون أبناءهم في مدارس تضم طبقات اجتماعية أكثر ثراء، بينما تكون إمكاناتهم المادية محدودة.
وفي هذه الحالة، يبدأ الطفل ببناء صورة عن نفسه مرتبطة بما يملكه، فتتحول ثقته بنفسه إلى شيء مستمد من الساعة التي يرتديها، أو الملابس التي تحمل شعارا معروفا.
وهنا تكمن الخطورة بحسب غيث، لأن الطفل يربط قيمته الشخصية بالممتلكات، وهي نقطة حساسة في بناء الشخصية، فهو يشعر بالفخر والثقة لأنه يرتدي ملابس تحمل اسم علامة معروفة، مما يجعله هشا أمام المقارنات مع الآخرين.
ومن جهة أخرى فالأشخاص المتصالحون مع أنفسهم يدركون أن قيمة الإنسان لا تأتي من ممتلكاته، فليست السيارة أو الملابس هي ما يمنح الإنسان قيمته، بل شخصيته وأخلاقه وإنجازاته، إلا أن الطفل لا يكون قد وصل بعد إلى هذا النضج الفكري، لذلك يكون أكثر عرضة لتكوين ثقة بالنفس قائمة على عوامل خارجية ومتغيرة، كالحذاء والملابس والأدوات الشخصية.
وتشدد غيث على أنه عندما يبدأ هذا التفكير منذ الصغر، فإنه قد يعيق الطفل عن تطوير قيم حقيقية مرتبطة بذاته وأخلاقه وصفاته وقدراته وإنجازاته، ويجعله يقيس نفسه بما يملك لا بما هو عليه.
الحكم على الآخرين من خلال مظهرهموهنا تكمن مشكلة أخرى، إذ إن الهوس بالماركات قد يعزز لدى الطفل حب التفاخر والتباهي، ويجعله يحكم على الآخرين من خلال مظهرهم.
ومع الوقت، قد يبدأ بالتقليل من شأن من لا يمتلكون هذه العلامات التجارية، كما قد يتولد لديه شعور مبالغ فيه بالاستحقاق، فيعتقد أن جميع طلباته يجب أن تلبى، حتى وإن كانت إمكانات الأهل لا تسمح.
ووفقا لذلك، تبين غيث أنه في المستقبل، إذا لم تتم معالجة هذا السلوك، فقد يتحول إلى نمط استهلاكي دائم، بحيث يصبح الشخص يشتري الأشياء فقط ليشعر بالرضا أو ليحافظ على صورة معينة أمام الآخرين، ويستمر في ملاحقة الموضة بدافع المقارنة المستمرة بمن حوله.
ووفق غيث؛ فإنه في السابق، كانت المقارنة تقتصر على الأشخاص الموجودين في المحيط، أما اليوم، ومع انتشار وسائل التواصل، فقد أصبحت المقارنة مفتوحة على العالم، وهذا يزيد من القلق الاجتماعي ويضعف الثقة بالنفس وتقدير الذات.
كما تنعكس هذه المشكلة نفسيا على الطفل، إذ تؤثر في قدرته على بناء الرضا الداخلي والشعور بالسكينة والقيمة الذاتية الحقيقية، فيبدأ باستمداد قيمته من أشياء مادية لا تمثل جوهر الإنسان الحقيقي.
وتؤكد غيث أن ترك هذا السلوك دون معالجة قد يؤدي إلى تفاقمه وتحوله إلى نمط دائم في حياة الطفل، لذلك فإن دور الأهل يعد أساسيا في تصحيح المفاهيم المغلوطة المرتبطة بالماركات والاستهلاك.
بعض الأهالي أنفسهم قد يقعون في هذا السلوك، من خلال التركيز على الأسعار والعلامات التجارية، والتفاخر بما يشترونه أو يرتدونه، ما يدفع الطفل إلى تعلم أن هذه الأمور تمثل قيمة حقيقية في المجتمع.
على الأهل مدح الناس بناء على أخلاقهم وإنجازاتهم ومسؤوليتهم وحسن تعاملهم، حتى يتعلم الطفل أن قيمة الإنسان أكبر بكثير من مظهره الخارجي.
وتشدد غيث على أهمية تعليم الطفل الفرق بين" الرغبة" و" الحاجة"، فالرغبة قد تكون في امتلاك أشياء تحمل علامات تجارية معروفة، لكن هذا لا يعني بالضرورة القدرة أو الحاجة إلى شرائها.
ويمكن للأهل أن يوضحوا للطفل أنهم يتفهمون إعجابه بهذه الأشياء، لكنهم لا يشترون أي منتج فقط لأنه مشهور أو تم الترويج له، بل لأن سعره مناسب ويمثل قيمة حقيقية بالنسبة لهم.
وتقول غيث إن" التعامل الصحيح لا يكون بالرفض القاطع أو السخرية من طلبات الطفل، بل بتحويل هذه المواقف إلى فرصة للتربية والتوعية وتعليمه أسس الشراء والاقتناء والإدارة المالية".
وتنصح غيث الأهل بعدم تحويل كل طلب يقدمه الطفل إلى معركة، بل استثماره لفهم دوافعه الحقيقية، من خلال سؤاله: " لماذا تريد هذا الشيء؟ هل لأنك معجب به، أم لأن أصدقاءك يمتلكونه؟ وهل تخشى أن يسخر منك الآخرون إذا لم تشتره؟ "، فهذه الحوارات تساعد الطفل على فهم مشاعره واكتشاف ما إذا كان يتعرض لضغط اجتماعي.
وتؤكد غيث أهمية تعليم الطفل كيفية مواجهة السخرية والضغوط الاجتماعية، لأنه سيستمر بمواجهتها في المدرسة والجامعة وبيئة العمل مستقبلا، وبالتالي فإنه يحتاج إلى بناء شخصية قادرة على التعامل مع هذه الضغوط بثقة ووعي.
وفي ختام حديثها، دعت غيث إلى مواجهة ثقافة الاستهلاك المفرط التي عززتها الرأسمالية ومنصات التسوق الإلكتروني، والتي أصبحت تغري الأطفال والمراهقين بالمجاراة والشراء المستمر، وإن كانت المنتجات غير مكلفة، مؤكدة ضرورة تعزيز قيم الاستدامة والاقتصاد الواعي، بدل الانجراف وراء الاستهلاك والمظاهر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك