الحج بين النسك والتجربة الفاخرةفي كل عام يعود الحج ليوقظ في القلب معاني التجرّد والمساواة والخضوع لله.
لباسٌ واحد، ونداءٌ واحد، ووجهةٌ واحدة، وملايين يقفون في عرفة لا تميّز بينهم الألقابُ ولا الثرواتُ ولا الجنسيات.
غير أن الفضاء الرقمي، خصوصًا في منصّاتنا الخليجية، صار يضيف إلى صورة الحج طبقةً جديدة: الفنادق، والباقات، والمخيمات، والبوفيهات، والقرب من الحرم، والخدمات «المميّزة».
وليست الرفاهية في الحج مذمومةً في ذاتها.
فالتيسير مقصدٌ شرعي، وخدمة ضيوف الرحمن شرفٌ عظيم، والعناية بكبار السن والمرضى ضرورةٌ إنسانية لا ترف.
وما حقّقته المملكة في تنظيم الحشود والخدمات والصحة إنجازٌ يستحق التقدير.
لكن السؤال الأعمق ليس عن وجود الخدمة، بل عن طريقة عرضها: متى تتحوّل الراحة من وسيلةٍ للعبادة إلى موضوعٍ للتفاخر؟ولا بدّ هنا من يقظة؛ فالترف داءٌ هزم الأمم، وقد ذمّه الخطاب الإسلامي في مواطن كثيرة.
وهو لا يأتي فجأة، بل يتدرّج في انسلاله إلى الحياة خطوةً خطوةً.
وفي قوله تعالى «ولا تتّبعوا خطوات الشيطان» إشارةٌ بليغة؛ فالنهي لم يكن عن اتّباع الشيطان فحسب، بل عن اتّباع «خطواته»، تنبيهًا إلى أن الانزلاق يبدأ صغيرًا متدرّجًا.
ولعلّ ثقافة الاستعراض في الحج إحدى تلك الخطوات الهادئة.
لم يعد بعض ما يُنشر عن الحج يكتفي بتوثيق الطواف والتلبية والدعاء، بل صار يعرض مستوى الفندق، ونوع الطعام، وشكل المخيم، والإطلالة؛ مقاطعُ تبدأ من الغرفة فالبوفيه فالحافلة، وكأن المشاهد أمام مراجعةٍ سياحية لا أمام رحلةٍ إلى ركنٍ جعله الله على من استطاع، لِما فيه من مشقّةٍ لم يذكرها في سائر الأركان.
ولسنا نتحدث عن كل الحجاج ولا كل الحملات؛ فهناك محتوى عظيم يشرح المناسك ويذكّر بفضل عرفة.
لكن بجانبه يظهر نمطٌ يحوّل الحج إلى مساحةٍ للتميّز الاجتماعي: مَن يسكن أقرب؟ ومَن ينال خدمةً أرقى؟ ومَن يذهب في حملةٍ أكثر خصوصية؟والمنصّة لا تنقل الواقع فحسب، بل تُعيد تشكيله؛ فهي تكافئ ما يُرى ويُقاس ويُصوَّر: الفندق يُصوَّر، والطعام يُصوَّر، أما الخشوع فلا يُلتقط في لقطة، والتوبة لا تظهر في مقطعٍ سريع، والانكسار بين يدي الله لا يصير محتوًى جذابًا.
لذلك يبدو الحج أحيانًا أكثر رفاهيةً مما هو روحانية؛ لا لأن الروح غابت، بل لأن المنصة تكافئ المرئيّ القابل للمقارنة.
وهكذا ننتقل من «الحج نسكًا» إلى «الحج تجربة»، وتدخل لغة السوق المجال الديني بمفرداتها: باقة، وفاخر، وخاص، وخمس نجوم.
وهنا تكمن الحقيقة الأعمق: إن الوصول إلى معنى العبادة يحتاج تخفّفًا من الدنيا واستغراقًا في العبودية لله.
والحج موسمٌ وفرصةٌ نرجو فيها التطهّر من الذنوب حتى يعود المرء أبيض ناصعًا كيوم ولدته أمه؛ وهذا الموقف يستدعي تجرّدًا روحانيًا لا ثقلًا ماديًا.
فكيف نطلب نقاء القلب ونحن نُثقله بحساب الباقات والامتيازات؟والمفارقة أن الحج نفسه يحمل الدواء: فالإحرام يُلغي الزينة، والتلبية تُلغي الأنا، والزحام يذكّرك بأنك واحدٌ بين ملايين، وعرفة تُعيد ترتيب الأولويات؛ فلا قيمة للفندق حين تقف طالبًا المغفرة، ولا معنى للامتياز حين يتساوى الناس في الرجاء والخوف والنداء.
ولا ينبغي أن نبالغ في الإدانة؛ فمن يصوّر فندقه ليس متفاخرًا بالضرورة، وقد يكون ممتنًّا أو ناصحًا.
لكن المطلوب وعيٌ أخلاقي: كيف نعرض الخدمة دون أن نقتل المعنى؟ وكيف نشكر النعمة دون أن نستعرضها؟ ربما نحتاج إلى «أدبٍ للنشر في الحج» يذكّرنا بأن لكل شعيرةٍ روحًا، وأن الصورة قد تخدم المعنى أو تحجبه.
وتبقى المسألة الأكبر أبعد من الحج وحده؛ فما نقوله ليس منفصلًا عن سيلٍ من الترف انساب في مساحةٍ واسعة من حياتنا: في بيوتنا وموائدنا وأسفارنا، حتى صار الاستعراض عادةً، والانسياق وراء الأفخم طبعًا لا نكاد نشعر به.
فلسنا نلوم الراحة في الحج لذاتها، بل لأنها صورةٌ مصغّرة من صورةٍ أكبر تغشى المجتمع، والحج بصفائه مرآةٌ تكشف هذا الانسياق أكثر مما تصنعه.
والترف لا يقتحم فجأة، بل يأخذنا خطوةً تتبع خطوة حتى ننسى أن الراحة وسيلةٌ لا غاية، وأن الخدمة طريقٌ إلى العبادة لا بديلٌ عنها.
سيظلّ الحج رحلةً إلى الله مهما أحاطت به الباقات والمنصات، لكن أغلى ما يعود به الحاج ليس صورةً من فندقٍ قريب، بل قلبٌ عاد أخفّ، وأنقى، وأقرب إلى الله؛ قلبٌ نجا من الانسياق، وعاد كما يُراد له أن يعود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك