أمام إلحاح طفلها الذي يجلس في المقعد الخلفي من السيارة الفارهة؛ توقفت سيدة أمام رجل طاعن بالسن يبيع بعض السكاكر والمكسرات أمام إحدى المدارس، ومن نافذة السيارة طلبت إليه أن يجمع لها بعضا من تلك الحلوى، وعند السؤال عن السعر أجابها “دينار ونصف”، ولكنها بادرته بتكشيرة كبيرة وقالت: “لا.
دينار واحد كفاية، أو أروح عند أحد غيرك”، وتحت إلحاح الفقر والحاجة وافق على المبلغ، ما أشعرها بالانتصار.
ذات السيدة، وبعد أن أوصلت طفلها للمنزل، التحقت بصديقة لها في أحد المطاعم الفاخرة لتناول الغداء، وبعد الانتهاء سلمها الموظف فاتورة بقيمة 38 دينارًا، فدفعت له 40 دينارًا، مع ابتسامة عريضة وجملة “ Thank you.
Keep the change”.
قد يعتقد البعض أن هذه صورة متخيلة غير واقعية، ولكنها للأسف حقيقة نعيشها، وربما نمارسها كل يوم، حيث نستمتع بإبراز عضلاتنا على الفقراء والباحثين عن الرزق الحلال بطريقة بسيطة، فنستمتع بـ “مكاسرتهم”، فيما لا نجرؤ حتى على السؤال عن السعر في المولات والمحلات الكبرى، لأن الأسعار مكتوبة وواضحة للعيان.
قد لا نشعر بأي ألم حين ندفع ثلاثة أو أربعة دنانير في كوب قهوة، قد لا نشربه لأننا لا نحب القهوة، ولكننا نشتريه من أجل “الشو”، فيما يحزننا أن ندفع مئة أو مئتي فلس زيادة إكرامية لعامل التوصيل أو البائعين البسطاء.
المؤلم أن بعضًا منا قد يختلفون مع البائع البسيط على مئة أو مئتي فلس، وقد يشعرون بالرضا إذا نجحوا في تخفيض السعر، وكأنهم حققوا إنجازًا كبيرًا، لكننا في المقابل لا نتردد في دفع مبالغ أكبر بكثير في أماكن أخرى، من دون أن نسأل أو نناقش أو حتى نفكر فيما إذا كان السعر يستحق فعلًا ما ندفعه.
لا أحد يطلب منا أن نجامل على حساب مصالحنا، لكن القليل من الرحمة والإنصاف لا يكلف شيئًا، فهؤلاء البسطاء الذين نفاوضهم على رزقهم اليومي لا يملكون إدارات تسويق ولا حملات إعلانية ولا فروعًا منتشرة، كل ما يملكونه ساعات طويلة من التعب على أمل أن يعودوا إلى بيوتهم بما يسد حاجتهم وحاجة أسرهم، وربما لهذا السبب بالذات، فإن آخر من يستحق أن نمارس عليه القسوة هو الفقير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك