إذا كان الطرح السابق قد سلط الضوء على خيبة الأمل المريرة الناتجة عن الإفراط في الارتهان للمظاهر الباسقة والهياكل الجوفاء- وهي الخديعة التي يختزلها ببراعة المثل الشعبي" الطول طول نخلة والعقل عقل صخلة" - فإن الإنصاف يقتضي القول بأن التجارب الإنسانية لا يمكن أن تبلغ تمامها ونضجها دون النظر إلى الوجه الآخر للمسألة.
فالبلسم الشافي من داء الانخداع والانبهار الطائش يكمن في تلك المفاجأة السارة وذلك الثراء المستتر في عمق الأشياء، حيث يتوارى الجوهر الخصب والشفاء الحقيقي خلف قناعٍ من تواضع المظهر وبساطته، وهو تماماً ما يعبر عنه المثل الشعبي" تلقى الدواء في أخس الشجر".
إنها المفارقة العكسية التي تفرض علينا إعادة النظر في المعايير التي نزن بها البشر والأحداث على حد سواء.
فبينما قد تخدعنا النخلة الباسقة بندرة ثمرها، أو بنقص عقلها، أو بعجزها التام عن الصمود أمام التحديات، فإن الشجيرات المتواضعة والصغيرة في هذا العالم قد تقدم لنا طوق النجاة والشفاء في لحظات الأزمات الحرجة.
والملمح الجوهري المستفاد هنا هو أن الأحكام القائمة على بريق المظهر وحده تظل عاجزة ومضللة، ما لم تسندها درايه نافذة تقوّم المرء بمخبره لا بـمنظره، وبتجرده لا بتصدره.
ولنا أن نتأمل، على سبيل المثال، في أولئك العابرين في صمت، ممن يفتقرون إلى حب الاستعراض، والتعالي، والتباهي الجوفاء.
قد نراهم منزوين في مساحات العزلة، يلتفون بالسكينة والتواضع والوحدة، كأنهم تلك الشجيرات البسيطة النابتة في غابة تموج بصخب الكبرياء والادعاء.
لكن الأيام كفيلة بأن تثبت أن هؤلاء تحديداً هم من يملكون مد يد العون، ويحملون الفرج والإنقاذ حين تشتد الكروب وتدق ساعة الحقيقة.
وعلى النقيض من ذلك، يتبدى لنا كم من أصحاب القامات المديدة، والمناصب الرفيعة، والبيان الساحر، يستحيلون إلى قشور خاوية بمجرد وقوفهم أمام اختبار حقيقي يمحص عمقهم الفكري أو ثباتهم الأخلاقي.
هؤلاء هم الذين يفرغون من كل قيمة في اللحظة التي يتعين عليهم فيها إثبات جدارتهم، ليظهر واضحا أن كل ذلك الزخم وتلك الفخامة لم تكن سوى فصول من الخداع صيغت بعناية لستر الفراغ القابع في الأعماق.
إن المقارنة بين هذين النمطين من السلوك والمواقف تقودنا إلى حقائق بالغة الأهمية، فالحياة في جوهرها تزن المرء بما يستطيع بذله وتقديمه، لا بحجمه أو بمدى الهيبة التي قد يبدو عليها للوهلة الأولى.
وبالفعل، فإن التجارب الحية تثبت دائماً أن الأوعية الفارغة- سواء في القلوب أو العقول- هي التي تصدر الجلبة الأشد والصخب الأعلى لتواري خلوّها.
بناءً على ذلك، يجدر بنا ألا ننقاد وراء عظمة النخله الباسقة إذا كانت عاجزة عن إعطاء الثمر أو فاقدة للحكمة المرتجاة.
وفي المقابل، لا ينبغي لأحدٍ أن يزهد في تواضع" أخس الشجر" أو يستهين به، فربما استتر بين أوراقه المهملة الدواء الذي نبحث عنه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك