سيام ريب/ صالح باران/ الأناضولتحوّل من معبد هندوسي حجري شُيّد قبل نحو 900 عام إلى أحد أشهر المواقع الأثرية والسياحية في العالمأُطلقت مشاريع واسعة خلال القرن العشرين لإزالة النباتات التي غطت أجزاء منه، وترميم الأبنية المهددة بالانهيارفي شمال غربي كمبوديا يقف مجمع معابد" أنغكور وات" كأبرز الشواهد على حضارة الخمير التي حكمت أجزاء واسعة من جنوب شرق آسيا، ويمثل اليوم، القلب النابض للسياحة في البلاد وأحد أهم مواقع التراث الثقافي على مستوى العالم.
ويقع المجمع الأثري في مدينة سيام ريب، ويستقطب سنويًا ملايين الزوار لاكتشاف روعة هندسته المعمارية وتاريخه الممتد لنحو تسعة قرون، فضلاً عن مشاهدة شروق الشمس خلف أبراجه الحجرية التي أصبحت رمزًا وطنيًا لكمبوديا.
ويحظى" أنغكور وات" بمكانة خاصة لدى الكمبوديين، إذ يتوسط العلم الوطني للبلاد، في دلالة على أهميته التاريخية والثقافية والوطنية.
شُيّد أنغكور وات خلال النصف الأول من القرن الثاني عشر بأمر من الملك سورياه فارمان الثاني، في ذروة قوة إمبراطورية الخمير، التي كانت آنذاك إحدى أكبر القوى السياسية والعسكرية في المنطقة.
وأُنشِئ في الأصل كمعبد هندوسي مخصص لما يعرف بـ" الإله فيشنو"، قبل أن يتحول لاحقًا إلى مركز للعبادة البوذية مع تغير المعتقدات الدينية في المنطقة.
ويمتد المجمع على مساحة تقارب 200 هكتار، ويضم شبكة واسعة من القنوات المائية والخزانات والمنشآت الحجرية المزينة بالنقوش البارزة التي تروي مشاهد دينية وتاريخية وأساطير تعود إلى تلك الحقبة.
ويُصنف أنغكور وات اليوم ضمن أكبر المنشآت الدينية في العالم، كما يعد من أبرز الإنجازات المعمارية التي خلفتها حضارة الخمير.
وخلال أوج ازدهار الإمبراطورية، كانت أنغكور من أكبر المدن في العالم آنذاك، حيث استقر بها مئات الآلاف من السكان وشكلت مركزًا سياسيًا ودينيًا وتجاريًا مهمًا في جنوب شرق آسيا.
لكن ابتداءً من القرن الخامس عشر، بدأت المدينة تفقد مكانتها تدريجيًا مع انتقال المراكز السياسية إلى مناطق أخرى، لتُهجر أجزاء واسعة منها وتغطيها الغابات الاستوائية الكثيفة على مدى قرون.
ظل الموقع بعيدًا عن اهتمام العالم الخارجي حتى القرن التاسع عشر، عندما زاره عالم الطبيعة الفرنسي هنري موهو عام 1860.
وساهمت مذكرات موهو ورسوماته التي نشرها بعد رحلته في لفت أنظار الأوروبيين إلى هذا الموقع الأثري الضخم، ما فتح الباب أمام بعثات بحثية وأثرية متخصصة بدأت بدراسة المنطقة والكشف عن أسرارها.
وخلال القرن العشرين، أُطلقت مشاريع واسعة لإزالة النباتات التي غطت أجزاء من المعابد، وترميم الأبنية المهددة بالانهيار، والحفاظ على الإرث المعماري الفريد للموقع.
ورغم ما شهدته كمبوديا من حروب وصراعات داخلية، خاصة خلال فترة حكم الخمير الحمر، نجح أنغكور وات في الحفاظ على جزء كبير من معالمه التاريخية.
وشكل إدراج الموقع على قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 1992 نقطة تحول مهمة، إذ ساهم في جذب دعم دولي واسع لعمليات الحماية والترميم، وتعزيز مكانته كأحد أهم المواقع الثقافية في العالم.
لم يعد أنغكور وات اليوم، مجرد موقع أثري، بل تحول إلى محرك اقتصادي رئيسي لكمبوديا، التي يبلغ عدد سكانها نحو 17 مليون نسمة.
ويُنظر إلى السياحة باعتبارها ثاني أهم مصدر للدخل في البلاد بعد قطاع صناعة الملابس الجاهزة، فيما تستحوذ منطقة أنغكور على الحصة الأكبر من العائدات السياحية.
ويزور مجمع أنغكور الأثري سنويًا نحو 2.
5 مليون سائح، ما يوفر فرص عمل واسعة للفنادق والمطاعم وشركات النقل والمرشدين السياحيين والحرفيين المحليين.
ويشير عاملون في القطاع السياحي أن معظم الزوار الأجانب الذين يقصدون كمبوديا يضعون أنغكور وات على رأس برامجهم السياحية، باعتباره الوجهة الأشهر والأكثر جذبًا في البلاد.
وفي وقت لا تزال فيه بعض المناطق الريفية الكمبودية تواجه تحديات اقتصادية ومعيشية، تواصل المعابد الحجرية التي صمدت قرابة 900 عام أداء دور يتجاوز قيمتها التاريخية، لتصبح نافذة كمبوديا الأبرز على العالم ورمزًا يجمع بين الذاكرة الحضارية والتنمية الاقتصادية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك