حين وصل محمد مرسي إلى الحكم في يونيو 2012، قدّمت جماعة الإخوان نفسها باعتبارها صاحبة المشروع القادر على إنقاذ مصر من أزماتها السياسية والاقتصادية بعد ثورة 25 يناير 2011، ورفعت شعار «النهضة»، زاعمة أنّها تستعد لتنفيذ رؤية شاملة لإعادة بناء الدولة وتحقيق التنمية وتحسين الخدمات، أما مرسي فتعهّد بحل أبرز المشكلات التي تؤرق المصريين خلال أول 100 يوم من حكمه.
لكن بعد عام واحد فقط، كانت ملايين المصريين تملأ الميادين والشوارع في 30 يونيو 2013 مطالبة بإنهاء حكم الجماعة، في مشهد عكس حجم الفجوة بين الوعود التي رُفعت قبل الوصول إلى السلطة والواقع الذي عاشه المواطنون خلال عام حكم الإخوان.
مشروع النهضة.
وعود كبيرة ونتائج محدودةجماعة الإخوان روجت لمشروعها المزعوم باعتباره خطة متكاملة للنهوض بالاقتصاد وتحقيق التنمية وإصلاح مؤسسات الدولة، كما طرح محمد مرسي برنامج الـ100 يوم الذي ركز على ملفات الأمن والوقود والخبز والنظافة والمرور، إلا أنّ الشارع المصري لم يشعر بتحسن ملموس في هذه الملفات، حيث استمرت أزمات الوقود والسولار وتكررت طوابير البنزين، وعانت محافظات عديدة من انقطاع الكهرباء، بينما بقيت مشكلات المرور والنظافة حاضرة بقوة في الحياة اليومية للمواطنين.
ومع مرور الوقت، تحولت وعود النهضة إلى مادة دائمة لانتقادات المعارضة، التي اعتبرت أنّ الجماعة أخفقت في تنفيذ تعهداتها الأساسية، بينما كانت الأوضاع الاقتصادية تزداد صعوبة وسط تراجع الاستثمارات والسياحة وارتفاع معدلات القلق بشأن مستقبل البلاد.
الإعلان الدستوري.
لحظة الانفجار السياسيشكل الإعلان الدستوري الصادر في 22 نوفمبر 2012 نقطة تحول رئيسية في علاقة الإخوان بالقوى السياسية ومؤسسات الدولة، حيث منح الإعلان قرارات الرئيس «حصانة» من الطعن القضائي، وهو ما اعتبرته المعارضة محاولة لوضع السلطة التنفيذية فوق الرقابة القضائية.
القرار أشعل موجة احتجاجات واسعة في القاهرة والمحافظات، حيث اعتبره قطاع واسع من المصريين بداية فقدان الثقة في شعارات الشراكة والديمقراطية التي رفعتها الجماعة قبل وصولها إلى الحكم.
إقالة النائب العام.
اتهامات بالتدخل في القضاءمرس قرر أيضا إقالة المستشار عبدالمجيد محمود من منصب النائب العام، وعين المستشار طلعت إبراهيم عبدالله خلفًا له، وهي الخطوة التي أثارت عاصفة من الاعتراضات داخل الأوساط القضائية، التي اعتبرتها تدخلًا مباشرًا في استقلال القضاء، وتحول المستشار طلعت عبدالله لدى معارضي الجماعة إلى رمز لما وصفوه بـ«النائب العام الملاكي»، في إشارة إلى أنّه جاء بقرار سياسي من السلطة الحاكمة.
محاصرة المحكمة الدستورية العليالم تتوقف الأزمة عند حدود النائب العام، فقد شهدت البلاد في ديسمبر 2012 محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل متظاهرين محسوبين على تيارات إسلامية، قبيل نظر دعاوى تتعلق بدستورية قانون انتخابات مجلس الشورى وقانون تشكيل الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، وكانت هذه القضايا ذات أهمية بالغة، فالحكم بعدم الدستورية كان من شأنه تهديد شرعية المؤسستين اللتين استند إليهما الإخوان في إدارة المرحلة الانتقالية، وأعلنت المحكمة آنذاك تعذر انعقاد جلستها بسبب الظروف المحيطة بمقرها، في مشهد اعتبره كثيرون اعتداء على استقلال القضاء ومحاولة لمنع صدور أحكام قد لا تتوافق مع مصالح الإخوان السياسية، وتحولت الواقعة إلى واحدة من أبرز الأدلة على اتهام الإخوان بالسعي إلى إخضاع مؤسسات الدولة.
خلال عام الحكم، تصاعدت الاتهامات للإخوان بالسعي إلى «أخونة الدولة» عبر الدفع بعناصر محسوبة على الجماعة إلى مواقع قيادية في مؤسسات مختلفة، وشملت الانتقادات تعيين عدد من المحافظين والمسؤولين التنفيذيين الذين وُجهت إليهم اتهامات بالانتماء أو القرب من الجماعة، الأمر الذي أثار مخاوف لدى قوى سياسية عديدة من أن يكون الهدف هو تمكين التنظيم داخل أجهزة الدولة وليس مجرد إجراء تغييرات إدارية، وأصبح مصطلح «التمكين» أحد أكثر المصطلحات تداولًا في الخطاب السياسي المصري خلال تلك الفترة.
الإعلام في دائرة الاستهدافلم يقتصر التوتر خلال فترة حكم الإخوان على العلاقة مع القضاء والقوى السياسية، بل امتد إلى وسائل الإعلام التي لعبت دورًا بارزًا في انتقاد أداء الإخوان والرئيس محمد مرسي، وشهدت مدينة الإنتاج الإعلامي خلال أواخر عام 2012 وبداية 2013 وقفات واعتصامات نظمها مؤيدون للرئيس مرسي وعدد من أنصار التيارات الإسلامية، بينهم أنصار السلفي حازم صلاح أبو إسماعيل، احتجاجًا على ما وصفوه بانحياز بعض القنوات الفضائية ضد المشروع الإسلامي، وأثارت تلك التحركات جدلًا واسعًا بعدما رُفعت لافتات وصور لعدد من الإعلاميين على أعواد المشانق، في مشهد اعتبر رسالة ترهيب للصحفيين والإعلاميين ومحاولة للضغط على وسائل الإعلام المعارضة.
الكاتدرائية والأزهر.
أزمات مع مؤسسات وطنيةشهدت فترة حكم الإخوان أيضًا أحداثًا أثارت جدلًا واسعًا، بينها الاشتباكات التي وقعت بمحيط الكاتدرائية المرقسية بالعباسية في أبريل 2013، والتي اعتبرها كثيرون سابقة خطيرة تمس رمزًا دينيًا ووطنيًا مهمًا، كما شهدت مشيخة الأزهر احتجاجات ومحاولات اقتحام من مجموعات غاضبة على خلفية مواقف سياسية ودينية، ما أثار انتقادات واسعة من شخصيات عامة وقوى سياسية رأت أن الأزهر يتعرض لضغوط غير مسبوقة.
في ديسمبر 2012، تحول محيط قصر الاتحادية إلى ساحة صدامات دامية بين مؤيدي ومعارضي الرئيس، وسقط ضحايا ومصابون في أحداث عمقت حالة الانقسام داخل المجتمع، ومع استمرار الأزمات السياسية والاقتصادية، ظهرت حملة تمرد في ربيع 2013، لجمع توقيعات تطالب بسحب الثقة من الرئيس وإجراء انتخابات مبكرة، وسرعان ما اكتسبت الحملة زخمًا واسعًا، مستفيدة من حالة السخط المتزايدة تجاه أداء الجماعة.
بحلول صيف 2013، كانت العلاقة بين الإخوان وقطاعات واسعة من المجتمع قد وصلت إلى مرحلة غير مسبوقة من التوتر، فبين وعود مشروع النهضة التي لم تتحقق كما توقع كثيرون، وبين الصدامات المتكررة مع القضاء والإعلام والقوى السياسية ومؤسسات الدولة، تشكلت قناعة لدى ملايين المصريين بأنّ الجماعة فشلت في إدارة الدولة ولم تعد قادرة على الحفاظ على التوافق الوطني.
وفي 30 يونيو خرجت حشود ضخمة إلى الشوارع والميادين مطالبة برحيل حكم الإخوان، لتسدل الستار على عام واحد فقط من وجود الجماعة في السلطة، وتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ مصر السياسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك