نبوءة راي تاكيه بشأن الأزمة النووية الإيرانية في كتابه إيران الخفيةيعد الملف النووي الإيراني من الملفات القديمة الجديدة في العلاقات الدولية المعاصرة.
قدمت فيه الكثير من المؤلفات والتحليلات، وتبدلت الأوضاع الإقليمية حوله، وبرزت متغيرات جديدة على الساحة الدولية، وتنوعت الإدارات الأمريكية التي تتعامل معه، ولكن يبقى هذا الملف يدور في حلقة مفرغة تعيدنا إلى النقطة ذاتها التي نبدأ وننتهي عندها.
إذن، لماذا هذا الجمود في التعامل مع هذا الملف، الذي يحول دون إيجاد حل جذري لهذه الأزمة، سواء بالخيارات العسكرية أم الدبلوماسية عن طريق التفاوض وتبني سياسة الانفراج، لا سيما أننا شهدنا ملفات عدة مشابهة تم التعامل معها إما عسكريا، مثل المشروع النووي العراقي، وإما دبلوماسيا، مثل القبول بالهند وباكستان وكوريا الشمالية بوصفها قوى نووية في العالم؟تعد هذه الفترة من أكثر الفترات حساسية في التعامل مع الملف النووي الإيراني، خاصة في ظل التصعيد العسكري الحاصل بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، والمتغيرات التي طرأت على الساحة الإقليمية بعد حرب غزة، من خسارة إيران لأبرز حلفائها ووكلائها في المنطقة، وبروز المشروع الصهيوني من جديد، وإحياء فكرة إسرائيل الكبرى في شرق أوسط جديد.
دولة لا يسيطر عليها وجه واحد كما تصورها لنا الإدارات الأمريكية، بل هي دولة فيها عملية سياسية تتصارع فيها قوى متعددة من اتجاهات سياسية وفكرية إلى مراكز صنع قرار متعددة، وإن كان كل شيء يؤول إلى عمامة المرشد الأعلىلكن بعد كل هذا الشد والجذب في التعامل مع الملف النووي الإيراني، هل هذا آخر ما توصلت إليه الإدارة الأمريكية للتعامل معه عبر الخيارات العسكرية أولا وأخيرا، أو الخيار العسكري أولا ثم الدبلوماسي أخيرا؟ وهل تمتلك الإدارة الأمريكية أصلا رؤية واضحة للتعامل مع هذا الملف؟يتبادر إلى الذهن، في ظل هذه التطورات، الباحث الأمريكي من أصل إيراني والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط، والمسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية والزميل البارز في مجلس العلاقات الخارجية، راي تاكيه، الذي قدم قبل عشرين عاما رؤية مختلفة للتعامل مع الأزمة الإيرانية في كتابه إيران الخفية.
صحيح أن هذا الكتاب جاء في ظروف مختلفة إقليميا، وجاء في فترة إدارة الرئيس بوش والمحافظين الجدد، لكنه حمل في طياته إسقاطا على واقعنا اليوم، وتوصيفا شبه كامل لما آلت إليه هذه الأزمة حاليا.
يلخص راي تاكيه في كتابه إيران الخفية رؤيته التي نستنتج منها سبب مراوحة هذا الملف مكانه رغم كل شيء؛ إذ يرى أن السبب الرئيس يكمن في سوء فهم الإدارات الأمريكية لطبيعة النظام الإيراني.
ويقول تاكيه إن إيران دولة لا تزال تبحث عن نفسها، وتعاني تجاذبات سياسية داخلية ترى في تمسكها بموقفها تجاه ملفها النووي حلا لهذه التجاذبات.
دولة لا يسيطر عليها وجه واحد كما تصورها لنا الإدارات الأمريكية، بل هي دولة فيها عملية سياسية تتصارع فيها قوى متعددة من اتجاهات سياسية وفكرية إلى مراكز صنع قرار متعددة، وإن كان كل شيء يؤول إلى عمامة المرشد الأعلى.
ومن ضمن هذه القوى المحافظون والأصوليون المتشددون الذين يرون في أسلوب تعامل الإدارات الأمريكية مع الملف النووي لبلادهم وسيلة لإبقاء سيطرتهم في الحكم عبر إقناع الشعب الإيراني بشرعية سلطتهم التي تملي عليهم الدفاع عن مصالح الأمة الإيرانية، نظرا لأنها في موقف الدفاع عن نفسها أمام التهديد الأمريكي الإسرائيلي لها، ودولة ترى في أزمات المنطقة المستعصية على الحل مساحة لمد نفوذها الإقليمي.
إذن، يقول تاكيه إن إيران تضم أقطابا متعددة من المحافظين إلى الإصلاحيين، ومراكز متعددة لصنع القرار.
حتى المؤسسة الدينية تنقسم إلى ثلاثة اتجاهات فكرية: الأول المحافظون المتشددون، وهم يمثلون جيل الثورة ومن حمل لواءهم من الجيل الجديد مثل الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، والثاني البراغماتيون، وهم يؤمنون بالإصلاحات السياسية والانفتاح على الخارج، والثالث رجال الدين الإصلاحيون الذين يمثلهم الرئيس السابق محمد خاتمي، الذي دعا إلى حوار الحضارات وتبني المبادئ الديمقراطية وتحديد سياسات البلاد بناء على إرادة الشعب.
هذه كلها أقطاب يحتدم النقاش بينها إلى حد مناقشة شرعية ولاية الفقيه من عدمها، فمنهم من يرى ضرورة إلغائها، ومنهم من يرى فيها وسيلة لنجاته في ظل هذا الصراع الداخلي والخارجي الذي تشهده الدولة الإيرانية.
لماذا الإصرار على السياسة نفسها بالتعامل عسكريا مع هذا الملف بدلا من سياسة الانفراج التي يطرحها الكاتب؟ وهل من المعقول أن أمريكا لم تجد حلا غير الخيار العسكري لتتعامل مع دولة يتكون فريقها التفاوضي من 73 شخصا؟ويصور لنا تاكيه كيف أن سياسة أمريكا الخاطئة تجاه إيران تعزز نفوذ وسيطرة الأصوليين المتشددين في إيران، بحيث إنه حتى لو لم تكن هناك أمريكا، لقاموا بخلق أمريكا جديدة حماية وخدمة لمصالحهم.
وبناء عليه، يرى تاكيه أن سياسة الخيار العسكري مع إيران غير مجدية تماما؛ إذ لا يمكن القضاء على المشروع النووي الإيراني بالكامل عن طريق هذا الحل العسكري، لا سيما أن إيران تمتلك خيارات عدة في الدفاع عن نفسها نظرا لحضورها ونفوذها القوي في المنطقة وموقعها الجيوسياسي.
وحتى إن استغلت أمريكا أي ثغرة داخلية لاتخاذها حجة على النظام الإيراني، كما قلنا، فإن حالة العداء هذه لا تفيد الولايات المتحدة الأمريكية ولا الطامحين إلى التغيير في إيران.
ولذلك فإن الخيار الدبلوماسي يجنب المنطقة تداعيات خطيرة قد تقود إلى المجهول، إذ لا يمكن لأحد إعطاء جواب عن كيفية التعامل معها.
وكذلك بالنسبة إلى الداخل الإيراني، لا بد من إعطائه حالة من الهدوء ليتمكن من مناقشة أموره ومشكلاته الداخلية بكل وضوح ودون تشتت.
صحيح أن هذا الكتاب أُلف قبل عشرين عاما، لكن قراءته تبدو كأنها توصيف لواقع اليوم، طبعا مع اختلاف المرحلة الزمنية وطبيعتها.
فقد استعرض الكتاب كيف ستكون الحرب مع إيران، وكيف سترد عليها وتتعامل معها، ونجاعة السياسة الأمريكية في هذا المجال، وناقش طبيعة الواقع الإيراني وكيف أنه متعدد الأقطاب.
ولعل العدد الكبير لفريق التفاوض الإيراني يدل على تعدد الجهات في صنع القرار السياسي في البلاد، وبالتالي تعدد وجهات النظر تجاه الأزمة.
إذن، بعد مرور 20 سنة على تأليف الكتاب، نرى أن الأمور كانت واضحة جدا.
فلماذا الإصرار على السياسة نفسها بالتعامل عسكريا مع هذا الملف بدلا من سياسة الانفراج التي يطرحها الكاتب؟ وهل من المعقول أن أمريكا لم تجد حلا غير الخيار العسكري لتتعامل مع دولة يتكون فريقها التفاوضي من 73 شخصا؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك