يمثل مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، والموزع على الأرجح في منشآت حصينة متعددة تقع عميقًا تحت الأرض، واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا وغموضًا أمام أي فرص لإبرام اتفاق سلام مستقبلي.
ويبرز مصير هذا التخصيب كركيزة أساسية في تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، القاضي بمنع طهران من حيازة أسلحة دمار شامل، لاسيما أن تلك الكميات تكفي لإنتاج ما لا يقل عن 10 قنابل نووية، وفقًا لـ «نيويورك تايمز».
تشير التقديرات إلى أن تخزين الجزء الأكبر من هذه المواد على أعماق سحيقة يجعلها محصنة حتى ضد القنابل الأميركية الخارقة للتحصينات، كما تحف المخاطر أي مسعى عسكري أميركي لاستعادتها، ليس بالنظر إلى تعقيد المهمة فحسب، بل للحساسية الكيميائية للمادة نفسها، إذ قد تتحول إلى عنصر عالي السمية حال تسربها وتعرضها للرطوبة.
وتركز إدارة ترمب جهودها في الوقت الراهن على المسار الدبلوماسي، من خلال السعي لإقناع الجانب الإيراني بالتخلي عن تلك المواد المخزنة مقابل نيل حوافز محددة.
وأوضح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في شهادة أدلى بها أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ يوم الثلاثاء، «تُفرض العقوبات على إيران بسبب امتلاكها يورانيومًا عالي التخصيب وبسبب أنشطتها النووية، وإذا وافقت على التخلي عن هذه الأمور، فسيكون هناك تخفيف للعقوبات مرتبط بالتزامها وتنفيذها للاتفاقات».
وطبقًا لبيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، سجل مخزون طهران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% ما يقارب 970 رطلًا بحلول يونيو 2025، وتوضع هذه المواد عادة في مستودعات مدمجة تشبه أسطوانات الغوص، ما يمنح السلطات مرونة عالية لتوزيعها على مواقع شتى، وهو ما يجعل رصد الأماكن الدقيقة للتخزين أمرًا متعذرًا دون إتاحة عمليات تفتيش شاملة من قِبل مفتشي الوكالة الدولية.
ويعتقد رافاييل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن الكتلة الأكبر من اليورانيوم المخصب تقبع تحت الأرض بمحاذاة مجمع أصفهان النووي، وهو موقع يمتلك القدرة الفنية على تحويل المواد إلى وقود عسكري في غضون أسابيع معدودة.
ويقع هذا المجمع في باطن منشأة مدفونة بأسفل أحد الجبال، مما يجعله بمنأى عن تأثير القذائف الخارقة للتحصينات، وفقًا لدراسة تحليلية صدرت عن المعهد اليهودي للأمن القومي الأميركي.
وشهدت الحرب التي دارت رحاها على مدى 12 يومًا العام الماضي، استهدافًا أميركيًا تسبب في أضرار بليغة بمداخل أنفاق أصفهان، غير أن لقطات الأقمار الصناعية رصدت مساعي تالية لإزالة الركام، قبل أن تعمد إيران إلى طمر المداخل بالتراب مطلع العام الحالي كخطوة احترازية، كما بينت الصور بناء سواتر ترابية حديثة وتحصينات دفاعية قرب المداخل بغية التصدي لأي توغل بري محتمل.
ويرى محللون وجود مؤشرات محدودة ترجح نقل اليورانيوم المخصب إلى أعماق منشأة أصفهان، حيث رصدت صور وفرتها شركة «إيرباص» قبيل حرب يونيو/حزيران 2025 توقف شاحنة على مقربة من أحد مداخل المجمع، وكانت تحمل شحنة تطابق الحاويات المخصصة للمواد النووية، طبقًا لما نشرته صحيفة لوموند، غير أن خبراء يجزمون بأن الغموض لا يزال يكتنف التفاصيل، ولا يمكن التأكد مما إذا كانت الحمولة يورانيومًا بالفعل أم مواد كيميائية مخصصة لعمليات المعالجة.
وفي منحى متصل، لفت غروسي إلى إمكانية وجود حصة أصغر من اليورانيوم عالي التخصيب داخل منشأة نطنز، التي تعد كبرى القواعد التخصيبية الإيرانية، وتلقى الموقع ضربات أميركية وإسرائيلية عنيفة في يونيو/حزيران 2025 أحدثت دمارًا واسعًا، ثم تجدد استهدافه في الحرب الأخيرة، ويخمن خبراء أن بعض تلك الغارات هدفت إلى دفن وتدمير اليورانيوم بالموقع، بينما يظل مصيره النهائي طي الكتمان.
وعلى مسافة ميل واحد من نطنز، يبرز موقع سري آخر تحت الأرض يحمل اسم «جبل الفأس»، والذي يربطه نشاط مستمر منذ عام 2020، ودلت الأقمار الصناعية على استمرار العمل فيه عقب حرب يونيو/حزيران 2025، متضمنًا تشييد جدار أمني وتدعيم البوابات لصد أي هجمات مستقبلية.
أما بخصوص منشأة فوردو المحصنة، فتذهب التقديرات إلى تعرضها لخراب واسع إثر قصفها من قِبل القوات الأميركية في يونيو/حزيران 2025 بنحو 12 قنبلة خارقة للتحصينات، وبينت صور حديثة قيام إيران بوضع متاريس وعوائق على المسارات المؤدية لبوابات الأنفاق، بهدف عرقلة أي تقدم عسكري، وينبه خبراء من احتمالية وجود منشآت تخزين أخرى غير مكتشفة بخلاف أصفهان ونطنز وفوردو، مما يعقد ملف استعادة المخزون بغياب تنسيق مباشر مع طهران.
ولا تنحصر القدرات الإيرانية في مستوى 60% فحسب، إذ توضح الرصد الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية حيازة إيران لأكثر من 19930 رطلًا من اليورانيوم المخصب بنسب متفاوتة، يشتمل على 405 أرطال مخصبة بنسبة 20%، و13280 رطلًا مخصبة بنسبة 5%، ورغم أن الارتقاء بهذه الكميات للمستوى العسكري يتطلب مدى زمنيًا إضافيًا، إلا أن طهران ستحتفظ بهذه الميزة طالما بقيت أجهزة التخصيب في المنشآت قيد التشغيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك