لندن- “القدس العربي”: ناقشت نرجس باجوغلي، أستاذة الأنثروبولوجيا بجامعة جونز هوبكنز، وولي نصر، أستاذ كرسي مجيد خدوري للشؤون الدولية ودراسات الشرق الأوسط في جونز هوبكنز، بمقال نشرته “فورين أفيرز”، “إيران الجديدة” التي خرجت من الحرب الأمريكية- الإسرائيلية والتي يمكن أن تعيد تشكيل الشرق الأوسط.
وقال الكاتبان إنه وبعيدا عن إعلانات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد أيام من شنه الحرب في 28 شباط/فبراير عن تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، ثم إعلانه النصر الكامل بعد عدة أسابيع، إلا أن الواقع بعد أكثر من ثلاثة أشهر غير ذلك.
فلا تزال إيران تحتفظ بقدراتها العسكرية والصناعية ورغم دعوة ترامب للإيرانيين لإسقاط النظام، لا تلوح في الأفق أي انتفاضة شعبية، فقد ثبتت استحالة تحقيق الهدف الأولي للحرب، وهو توجيه ضربة قاضية للجمهورية الإسلامية.
وبدلا من كسر شوكة إيران، أعادت الحرب تشكيلها بطرق غير متوقعة.
وللبقاء وتحقيق مزايا استراتيجية جديدة، كان على الجمهورية الإسلامية التكيف والابتكار وتغيير أساليبها في خوض الحرب وإدارة الدولة، وتدبير شؤون المجتمع.
وكان عليها القيام بذلك بسرعة غير مسبوقة.
بدلا من كسر شوكة إيران، أعادت الحرب تشكيلها بطرق غير متوقعة، وطهران الآن واثقة مما حققته وعازمة على ترسيخ هذه المكاسب في الداخل والخارج.
وقال الكاتبان إن طهران الآن واثقة مما حققته وعازمة على ترسيخ هذه المكاسب في الداخل والخارج.
فقد قادت الحرب إلى ظهور إيران جديدة، ستعيد تشكيل الشرق الأوسط وتؤثر على مسار الجغرافيا السياسية لسنوات قادمة.
وأضاف الكاتبان أن افتراضات إسرائيل وأمريكا لشن الحرب والتي قامت على ضعف إيران الظاهر بسبب هجمات حزيران/يونيو عام 2025، والتظاهرات الشعبية في نهاية ذلك العام، لم تكن صحيحة.
كما أن قتل القيادات وقطع رأس النظام لا يعني بالضرورة نهايته، بل فتح الباب أمام جيل جديد لتولي القيادة.
ويعتقد الكاتبان أن رأي المراقبين الغربيين عن تشدد القيادة الجديدة التي يسيطر عليها الحرس الثوري الإيراني غير دقيقة جدا، وهم يركزون على حفنة من القادة البارزين، مثل مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى الجديد، ومحمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وأحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري.
وبهذا يتجاهلون التحول الأهم الحاصل في الرتب الأدنى منهم، أي الجيل الجديد من قادة الحرس الثوري ومسؤولي الأمن المدنيين الذين بلغوا سن الرشد بعد ثورة 1979، وهم يشغلون الآن مناصب رئيسية في صنع القرار، ونظرتهم القومية إلى الحكم والأمن تعيد تعريف الجمهورية الإسلامية.
فخلافا لجيل آية الله خامنئي، مؤسس الثورة، وخليفته آية الله علي خامنئي اللذين تشكلت رؤيتهما من خلال معارضتهما الطويلة لحكم محمد رضا شاه بهلوي المدعوم من الولايات المتحدة، وسنوات قضياها في سجون الشاه أو في المنفى، فقادة اليوم، وهم الجيل الثاني من ثوار إيران، بمن فيهم مجتبى خامنئي وقاليباف ووحيدي، والذين كانوا في سن المراهقة والشباب خلال الحرب الإيرانية العراقية، قد ترسخت رؤيتهم للعالم في خنادق أطول حرب تقليدية في القرن العشرين.
أما أفراد الطبقة الإدارية الجديدة في القوات المسلحة الإيرانية، وهم الجيل الثالث من الثورة، فلا يعرفون شيئا سوى إيران ما بعد الثورة.
وقد تبنى أفراد هذه الطبقة من ضباط القوات المسلحة والحرس الثوري، إلى جانب مؤسساتهم الأمنية، ثقافة تكنوقراطية منظمة ورؤية استراتيجية تتمحور حول الدفاع الوطني، لا الأيديولوجية الثورية.
وهم يحكمون بثقة القادة الذين يعتقدون أنهم دافعوا بنجاح عن إيران في حربين ضد قوى متفوقة عسكريا، وحققوا شيئا وعدت به الثورة فقط: إضعاف حقيقي للقوة الأمريكية في الشرق الأوسط.
فقد كان المرشد السابق، آية الله علي خامنئي، الذي اغتيل في اليوم الأول من حرب شباط/فبراير، نتاجا للتيارات الفكرية والسياسية في إيران ما قبل الثورة، في عهد بهلوي.
وتشكلت تربيته السياسية من خلال نقاشات مع قوميين علمانيين ويساريين وليبراليين، ممن شاركوه أهدافه في إسقاط النظام الملكي ومواجهة الإمبريالية الغربية.
وبمجرد وصولهم إلى السلطة، فرض قادة الثورة أيديولوجيتهم على إيران، لكنهم لم يتغلبوا قط على الشعور بانعدام الأمان الكامن في تأكيد حقهم في حكم مجتمع لا يخضع لهم خضوعا تاما.
وبالمقارنة، لم يجرب الجيل الجديد شيئا من هذا بشكل مباشر.
فمعظمهم كانوا أطفالا عند تأسيس الجمهورية الإسلامية، ونشأوا مؤمنين بحقها في الحكم.
كما بلغوا سن الرشد داخل مؤسسات السلطة، معتبرين شرعيتها أمرا مفروغا منه.
ومن هنا تغيب عن أذهان الجيل الجديد مخاوف النخبة القديمة بشأن الحكم وبقائه، فهم لا يدافعون عن ثورة، بل يديرون دولة.
وما يميز القادة الجدد أنهم من كوادر المؤسسة الحاكمة: قوميون براغماتيون متمرسون، ويعملون برؤية ثاقبة لقدرات إيران ونقاط ضعفها.
وعلى عكس أسلافهم، يتمتعون بالصبر الاستراتيجي والقدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة.
وهم يعرفون نقاط ضعف إيران وينظرون إليها بشكل متكرر وعلني ويتعاملون معها كمشاكل يجب حلها، وهو ما عجز الجيل القديم عن ممارسته.
وهذه الغريزة هي التي دفعت طهران إلى إجراء التغييرات بين الحربين.
فقبل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي في حزيران/يونيو 2025، افترض حكام إيران أنهم قادرون على التعايش مع حالة الجمود مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أي لا حرب أو سلام لأجل غير مسمى.
وقد ظهر خطأ هذا الافتراض، وبدأ الجيل الجديد بالتعلم من هذا القصور فور انتهاء حرب الأيام الـ12.
ما يميز القادة الجدد أنهم من كوادر المؤسسة الحاكمة: قوميون براغماتيون متمرسون، ويعملون برؤية ثاقبة لقدرات إيران ونقاط ضعفهافقد توقعت قيادة الحرس الثوري الجديدة انهيار وقف إطلاق النار ونشوب حرب أخرى، ربما تشارك فيها الولايات المتحدة منذ البداية.
وبدأت الجامعات الإيرانية ومراكز الأبحاث ومراكز الفكر والهيئات الحكومية بتنظيم مناقشات حول الدروس المستفادة والتغييرات المطلوبة.
وشهدت تلك الأشهر الثمانية تغييرات مؤسسية أكثر مما شهدته السنوات العشر السابقة مجتمعة.
وفي خضم ذلك، تولى صناع القرار التكنوقراط زمام الأمور.
وبعد اغتيال خامنئي تم نقل السلطة إلى ابنه مجتبى بسرعة وبشكل منظم للغاية.
واختاره الجيل الجديد الذي انبثق من حرب حزيران/يونيو 2025، جزئيا لأنه كان من أشد المدافعين عنهم.
وكان مجتبى عضوا في الحرس الثوري وقاتل في الحرب العراقية الإيرانية قبل التحاقه بالحوزة الدينية ليصبح رجل دين.
لاحقا، خدم إلى جانب والده، مشرفا على تحول الحرس الثوري وصعود قيادته المستقبلية.
وأكد صعود مجتبى وعجّل بالتحول الجيلي، ولم يؤد إلى الانهيار المؤسسي الذي توقعته واشنطن، بل إلى عكسه تماما.
كما عكست إدارة إيران للحرب النهج التكنوقراطي للجيل الجديد.
ففي فترة ما بين الحربين، جرت تغيرات كبيرة، وتم تشكيل مجلس دفاع أعلى جديد، بقيادة جنرالات الحرس الثوري عبد الرحيم موسوي ومحمد بكبور وعلي شمخاني لتسريع التغييرات العسكرية.
واضطلع قاليباف، الجنرال السابق في الحرس الثوري الذي أصبح رئيسا للبرلمان عام 2020، وعلي لاريجاني، أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي، بأدوار متوازية في البيروقراطية المدنية والاقتصادية، من خلال العمل عبر الوزارات الحكومية والسلطات المحلية.
وباعتبارهم من قدامى المحاربين في الحرب الإيرانية العراقية، فقد تعلم هؤلاء الرجال كيفية إدارة الأمور في مواجهة الصعاب الجمة على الجبهات.
وفي مواجهة أكبر تحد واجهته إيران منذ ثمانينيات القرن الماضي، سارع جيل مؤسسي الثورة إلى إعادة تنظيم الدولة بما يتماشى مع الحرب.
وأشرف هؤلاء القادة المخضرمون على انتقال السلطة إلى الجيل الجديد، الذي أعاد تنظيم مراكز القوة المتناثرة بسرعة في هيكل متماسك لصنع القرار، قادر على الصمود حتى في حال فقدان أي قائد.
وأُعيد تنظيم القوات المسلحة الإيرانية في شبكة من القيادات العملياتية، أشبه بقوات حرب العصابات منها بالجيش التقليدي، حيث تركزت السلطة بين مجموعات متجانسة فكريا بدلا من توزيعها بين فصائل مختلفة.
وقُتل كل من لاريجاني وموسوي وباكبور وشمخاني في غارات إسرائيلية لاحقة، لكن الصمود الذي ساهموا في بنائه لم يتضاءل.
وفي ساحة المعركة، طبقت القوات المسلحة الإيرانية دروس حرب حزيران/ يونيو 2025 بدقة متناهية.
وردت على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الذي بدأ في شباط/فبراير 2026 بوابل منهجي من الصواريخ والطائرات المسيرة، مصمم لاستنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
وقد خلصت إلى أن خصومها يتوقعون تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية بسرعة، وأنهم غير مستعدين لحملة طويلة الأمد.
ومن هنا، فأهم انتصار حققه الجيل الجديد من القادة هو ببساطة نجاح استراتيجيتهم.
فقد نجت الدولة من قطع رأسها وصمدت أمام القصف الأمريكي والإسرائيلي العنيف، وأحكمت سيطرتها على مضيق هرمز وواجهت الحصار البحري الأمريكي.
وفي خضم ذلك، وسعت رقعة المعركة لتشمل الخليج العربي، ملحقة أضرارا جسيمة بست عشرة قاعدة أمريكية، وعطلت العديد منها.
كما أثبتت إيران قدرتها في السيطرة على مضيق هرمز.
وبإغلاق المضيق واستهداف البنية التحتية للطاقة، فرضت إيران تكاليف باهظة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
وبالنسبة لقادة إيران، فإن هذه القوة المكتسبة حديثا تعوض جزئيا التكاليف التي تكبدتها خلال الحرب، بما في ذلك تراجع حليفها اللبناني حزب الله، وغيرها من النكسات التي عانت منها في السنوات الأخيرة، مثل فقدان سوريا كممر استراتيجي بعد سقوط نظام بشار الأسد، الذي كان أقوى حلفاء إيران في العالم العربي.
وترى طهران أن احتواء الولايات المتحدة للجمهورية الإسلامية، الذي دام عقودا، قد انتهى.
وسيحدد النظام الإقليمي الجديد بشكل أقل بالهيمنة الأمريكية وأكثر بتعدد الأقطاب، حيث ستصبح الصين لاعبا محوريا بشكل متزايد، وستكون إيران عنصرا أساسيا لا هامشيا.
وقد حققت إيران هذه المكاسب الاستراتيجية بتطبيق دروس حرب الأيام الاثني عشر بسرعة مذهلة.
أهم انتصار حققه الجيل الجديد من القادة هو ببساطة نجاح استراتيجيتهم.
فقد نجت الدولة من قطع رأسها وصمدت أمام القصف الأمريكي والإسرائيلي العنيف، وأحكمت سيطرتها على مضيق هرمزولعل أهم إنجاز استراتيجي هو السيطرة على هرمز الذي ينظر إليه الآن من جميع الأطراف على أنه رصيد إيراني وليس مجرد ممر بحري مفتوح مدعوم بضمانة أمريكية.
كما دفعت الحرب طهران إلى تعزيز تحالفها التكتيكي مع الصين، وبناء ما يشبه الشراكة الاستراتيجية.
وقد خلصت القيادة الإيرانية إلى أنه لا سبيل للتطبيع مع الولايات المتحدة، لكنها لا تستطيع مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية بمفردها.
كما أدرك القادة الإيرانيون أن التدهور الاقتصادي هو أكبر تهديد لاستقرارهم السياسي.
والدرس الذي استخلصوه من الاحتجاجات الشعبية الأخيرة هو أن المظالم الاقتصادية تضاعف قوة المعارضة.
فما إن أُعلن وقف إطلاق النار في نيسان/أبريل حتى مضت الحكومة قدما في حزمة إصلاحات اقتصادية، منهية عددا من الإعانات والبرامج المحمية سياسيا، وهي خطوة بررتها القيادة بأنها ضرورية لإدارة التداعيات الاقتصادية للحرب.
ويشير التسرع في نشر مشاريع إعادة بناء البنية التحتية، إلى أن الحكومة تتجه نحو عقد اجتماعي جديد، يقوم على الكفاءة التي لا تنبع من الأيديولوجيا، بل من القدرات التكنوقراطية للقيادة الجديدة.
وكشفت الحرب الأمريكية- الإسرائيلية عن بعد جديد في الهوية الإيرانية، فقد اتحد الشعب تحت الراية بعدما كان منقسما وساخطا من الحكومة، وكان الدمار الذي خلفته الحرب هائلا وأصاب البنية التحتية العامة والمصانع والمدارس والمستشفيات والمعالم التاريخية، وحتى أحياء بأكملها أصبحت أطلالا، مدعاة للوحدة الوطنية وإلى ردة فعل قومية تجاوزت الانقسامات السياسية.
وهذا لا يعني أن الغضب الشعبي تجاه النظام قد انتهى، فالحزن والإحباط والاستياء المتراكم منذ عقود من سوء الحكم والقمع لا يزال قائما.
وما تغير هو المشهد السياسي الذي تجد فيه هذه المشاعر متنفسا.
ويتجلى الرفض الشعبي اليوم في نضال وطني ضد عدو أجنبي يشبهه الإيرانيون بالإسكندر الأكبر، الذي غزا الإمبراطورية الفارسية في القرن الرابع قبل الميلاد.
وخلافا لتوقعات أمريكا وإسرائيل، لم تشعل الحرب شرارة مظاهرات شعبية.
فكلما طالت، قل شعور النظام بالتهديد من الانتفاضات الشعبية.
ولم يحشد المجتمع الإيراني نفسه ضد الدولة، بل إلى جانبها.
وكما قال الفيلسوف والمعارض الإيراني محمد مهدي أردبيلي في طهران خلال الأسبوع الخامس من الحرب: “في هذه اللحظة، الجمهورية الإسلامية وإيران كيان واحد.
إذا سقطت الجمهورية الإسلامية، سقطت إيران.
وما أحدثته الحرب هو عقد اجتماعي جديد مع الجمهورية الإسلامية التي سعت طوال عقود من وجودها لبنائه ولكن نجاحاتها كانت متفاوتة.
وما يعرض الآن هو صفقة قومية تكنوقراطية، تستند فيها شرعية الدولة إلى قدرتها المثبتة على الدفاع عن البلاد وإعادة بنائها.
شروط هذه الصفقة قومية وليست إسلامية.
وسينعكس التحول الداخلي على طريقة إدارة إيران لعلاقتها مع وكلائها، فلن تدير ظهرها لهم ولكنها ستتعامل مع هذه العلاقات بانضباط استراتيجي أكبر ونزعة أيديولوجية أقل.
ولن تضحي القيادة الإيرانية الجديدة بمصالح إيران على مذبح التضامن الثوري.
سيتم توظيف هذه التحالفات كجزء من استراتيجية إقليمية متماسكة تهدف إلى الحفاظ على عمق إيران الاستراتيجي في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية المستمرة.
وقد خلص الاستراتيجيون الإيرانيون إلى أن السماح لإسرائيل بمواجهة مختلف محاور “محور المقاومة” الإيراني واحدا تلو الآخر خلال حرب غزة كان خطأ.
وجاءت الضربات الأمريكية الإسرائيلية خلال العام الماضي نتيجة مباشرة لهذا الفشل في التنسيق.
وفي النهاية أصبحت الحرب الأخيرة، بمثابة بوتقة صقلت نسخة جديدة من الجمهورية الإسلامية، وشهدت أول تحول جيلي كبير منذ تأسيسها.
ولم تعد السلطة حكرا على المؤسسين، إذ يتولى الجيل الثاني إدارة الشؤون العسكرية والسياسية، بينما يتولى الجيلان الثالث والرابع مسؤولية الاتصالات والتواصل الدولي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك