عقدت أمس الثلاثاء وتعقد اليوم الأربعاء في أروقة وزارة الخارجية الأميركية الجولة الرابعة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، في توقيت بالغ الحرج ومثقل بالتعقيدات، حيث تتزامن الدبلوماسية مع تصعيد عسكري إسرائيلي شهده الجنوب الأسبوع الماضي بوتيرة غير مسبوقة، يقابله استمرار" حزب الله" في قراره المستقل عن الدولة بخوض حرب الإسناد وإطلاق الطائرات المسيرة الانقضاضية على المواقع والقوات الإسرائيلية.
وقد خرق هذا المشهد الاتفاق الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب بين الطرفين، إنما بقي محصوراً على الأرض في بيروت، بينما بقيت الضربات المتبادلة جنوباً.
هذا المشهد القاتم يفرض تساؤلاً جوهرياً، كان طرح في أروقة مراكز صنع القرار في لبنان، حول جدوى الاستمرار في مسار تفاوضي فشل على مدى ثلاث جولات كاملة، في تثبيت وقف إطلاق النار، واقتصرت نتائجه على هدنة هشة وممددة، تنصل الطرفان من التزاماتها ميدانياً.
وأمام هذا الواقع المأزوم، تعالت أصوات في الداخل اللبناني تطالب السلطة السياسية بتعليق المشاركة أو الانسحاب الكامل من هذه المفاوضات المباشرة، كأداة ضغط سيادية لإجبار إسرائيل على الانصياع لوقف إطلاق النار.
ومن بين هذه الأصوات من ينطلق من دوافع يقول مطلقوها إن غايتها حماية البلاد، في حين يبتغي القسم الآخر منها الحسابات الإقليمية وتوظيف الملف لخدمة مصالح خارجية.
وفي طليعة هذه المواقف، برزت دعوة رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، التي تقاطعت مع توجهات" حزب الله" ونوابه وأمينه العام نعيم قاسم، لكن مع اختلاف كبير في الأسباب والأهداف.
وفي المقابل، تحذر أطراف أخرى من محاذير جوهرية تجعل الخروج من القاعة قفزة في المجهول، في وقت تؤكد مصادر مقربة من القصر الجمهوري أن خيار التفاوض بالنسبة للبنان هو ممر إجباري لا بديل عنه، وأن بيروت لن تتراجع.
لا يمكن قراءة أي مسار تفاوضي بمعزل عن الواقع الميداني الذي يحيط به.
فإسرائيل لا تزال تحتل أجزاء واسعة من الأراضي اللبنانية جنوب الخط الأزرق، وتواصل غاراتها الجوية، وتفرض وقائع على الأرض، في الوقت الذي يجلس ممثلوها إلى طاولة التفاوض.
هذا التناقض الصارخ بين الدبلوماسية والميدان هو ما دفع الرئيس السنيورة إلى القول إن لبنان أقدم على خطوة متقدمة حين ذهب إلى المفاوضات المباشرة، غير أن إسرائيل لم تلتزم بوقف إطلاق النار، ولم تقدم الولايات المتحدة أي دعم حقيقي يمكن بيروت من الاستمرار في هذه العملية.
وفي تصريح لـ" اندبندنت عربية"، أكد السنيورة أن الدولة اللبنانية تمتلك ورقة ضغط حقيقية يمكن توظيفها، تتمثل في تعليق مشاركة الوفد اللبناني في المفاوضات حتى تلتزم إسرائيل بوقف النار بصورة جدية وفعلية.
ورأى أن الانسحاب من الطاولة يعد موقفاً سليماً إذا اتخذته الحكومة اللبنانية، لا سيما أن التصعيد الإسرائيلي المتواصل، بما يرافقه من عمليات قتل وتدمير وتهجير، بلغ حداً لا يمكن لأي حكومة ذات سيادة أن تتقبله.
ويذهب المؤيدون لهذا الطرح إلى أنه في منطق التفاوض الكلاسيكي، لا قيمة لورقة لا يملك صاحبها جرأة سحبها.
فإذا كان لبنان ملزماً بالبقاء على الطاولة مهما تصاعدت الانتهاكات الإسرائيلية، فهو يفاوض عملياً من موقع ضعف بنيوي.
في المقابل، يرى هؤلاء أن التهديد بالانسحاب، متى وظف بذكاء وتوقيت مناسب، قادر على إعادة قدر من التوازن إلى المعادلة، وإيصال رسالة واضحة مفادها بأن الاستمرار في التصعيد لن يمر من دون ثمن دبلوماسي.
فضلاً عن ذلك، يرى فريق آخر أنه في ظل تراجع الثقة الشعبية بالدولة ومؤسساتها، قد يمنح الانسحاب الموقت من المفاوضات صورة مغايرة عن بيروت، صورة دولة تعرف حدودها، ولا تقبل أن تكون طرفاً مستضعفاً يرضخ لكل ما يفرض عليه.
الخروج من المفاوضات خروج من الخريطةالكاتب والباحث السياسي الدكتور ميشال الشماعي يذهب بدوره إلى أن" حزب الله" يمارس ما يمكن تسميته" التقية السياسية الدبلوماسية"، إذ يضغط عبر الرئيس نبيه بري لإلغاء المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، بينما يريدها في الوقت ذاته قائمةً، لأنها توفر لإيران ورقة ابتزاز في مواجهة واشنطن.
والهدف في نهاية المطاف إبقاء لبنان رهينة في يد طهران لا فاعلاً مستقلاً على الساحة الدولية.
ويستبعد الشماعي أن تقدم السلطة السياسية اللبنانية على قرار الانسحاب، ويطرح السؤال المباشر" ما البديل؟ البديل هو استمرار الحرب وتصاعد التدمير في ظل اختلال واضح في موازين القوى وانعدام أي أفق للمواجهة"، ويضيف" لهذا اختارت الدولة المسار التفاوضي، آملة في انتزاع وقف لإطلاق النار وكبح الآلة العسكرية الإسرائيلية".
يصل الشماعي إلى خلاصة حاسمة مفادها بأنه من لا يكون على طاولة التفاوض اليوم لن يكون على خريطة الجغرافيا السياسية غداً، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، ويقر بالمفارقة المؤلمة التي تجد الدولة نفسها فيها، فهي تفاوض على التزامات لا تملك تنفيذها، لأن الحرب ليست حربها، بل حرب الحزب وقرار وقفها ليس في بيروت بل في طهران.
غير أن ذلك لا يلغي ضرورة البقاء على الطاولة، بل يجعله أكثر إلحاحاً، إذ يؤكد أن إسرائيل ماضية في مسعاها للقضاء على الحزب بغطاء أميركي كامل، وأن الدولة اللبنانية لا خيار أمامها سوى التمسك بالمسار التفاوضي.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)الانسحاب بلا سند إقليمي عزلة لا ضغطلا يتجاهل المتمسكون بخيار التفاوض التحذيرات الجوهرية التي تجعل الانسحاب مغامرة محفوفة بالأخطار.
فالولايات المتحدة هي الراعية لهذا المسار والضامنة له، وأي انسحاب لبناني قد يقرأ في واشنطن تعنتاً لا رفضاً مشروعاً للتصعيد، مما يضع بيروت في موقف حرج مع شريك يملك أوراقاً اقتصادية وسياسية لا يمكن الاستهانة بها في مرحلة إعادة الإعمار.
يضاف إلى ذلك أن نجاح الانسحاب كورقة ضغط مشروط بتغطية دولية وإقليمية تكسبه مشروعيته، وهذه التغطية ليست مضمونة في ظل انشغال الأطراف العربية والدولية بأزمات أكبر وأعقد.
فالانسحاب من دون سند إقليمي ليس ضغطاً، بل هو عزلة.
وتبقى طاولة التفاوض، على ما تنطوي عليه من صعوبات، الملاذ الوحيد لتحقيق تثبيت نهائي لوقف إطلاق النار، وإنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، وانسحاب قواتها، وترسيم الحدود.
وفي مقدمة الملفات الحساسة على هذه الطاولة مسألة السلاح جنوب نهر الليطاني، وهو ما يعني بحكم الأمر الواقع تقليص النفوذ العملياتي لـ" حزب الله" في الجنوب وفق أحكام القرار الأممي 1701، أما الانسحاب من المفاوضات فسيجمد هذا الملف ويبقيه في منطقة رمادية لا تخدم إلا الحزب.
الجولة الرابعة: دبلوماسية تحت النار وطاولة تعج بالألغاموفي تأكيد بأن قرار الدولة اللبنانية بالمضي في المسار التفاوضي لا رجعة فيه، وأن البقاء على الطاولة ليس ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة وجودية، شارك الوفد اللبناني الدبلوماسي في الجولة الرابعة من المفاوضات المباشرة مع نظيره الإسرائيلي أمس الثلاثاء، وسيشارك اليوم الأربعاء، بحضور الراعي الأميركي في مبنى وزارة الخارجية.
ويتصدر أولويات الوفد اللبناني برئاسة السفير سيمون كرم وحضور سفيرة لبنان لدى واشنطن ندى حمادة معوض مطلب واحد جوهري، وهو تثبيت وقف إطلاق النار الذي عجزت المفاوضات العسكرية عن بلوغه.
وسيستند كرم في هذا الملف إلى تعهد رئيس مجلس النواب نبيه بري بضمان التزام" حزب الله"، مقترحاً أن يكون إعلان وقف إطلاق النار اختباراً حقيقياً لجدية جميع الأطراف.
علماً أن بري سبق أن أطلق التعهد ذاته عشية آخر تمديد لوقف إطلاق النار، إلا أن الحزب لم يلتزم وواصل إطلاق المسيرات والصواريخ باتجاه إسرائيل، كما أن المحاولات التي قادها رئيس الجمهورية جوزاف عون في اليومين الماضيين للتوصل إلى إعلان" حزب الله" التزامه وقف إطلاق النار لم تنجح.
مناقشة ورقة إعلان النواياوستتواصل في هذه الجولة مناقشة ورقة إعلان النوايا التي تعثر التوافق على بنودها في الجولة الثالثة، مع التنبه إلى أن النقاش حولها لا يعني بلوغ مرحلة الالتزام الفعلي بمضمونها.
كما سترخي الأفق المسدودة التي انتهت إليها المفاوضات العسكرية بظلالها على هذه الجولة السياسية، على رغم توصيف مصادر دبلوماسية في واشنطن للجولة العسكرية بأنها لم تكن إيجابية تماماً، لكنها لم تكن سلبية بالمطلق.
ويبقى ملف سلاح الحزب جنوب نهر الليطاني البند الأكثر إشكالية والأصعب حلاً.
وعلى رغم تقديم الوفد اللبناني العسكري خطة مستحدثة لحصر هذا السلاح، تكشف مصادر خاصة أن الوفد رفض الانخراط في أي تنفيذ أو مواجهة مع الحزب طالما تتواصل الضربات الإسرائيلية وطالما تبقى القوات الإسرائيلية محتلة أراض لبنانية.
كما رفض الاقتراح الأميركي القاضي بتحديد منطقة جغرافية تنسحب منها إسرائيل وتكون بمثابة اختبار لجدية الجيش اللبناني في الانتشار وتطبيق القرار 1701.
تجنباً لأي تنسيق مع القوات الإسرائيلية.
أما ملف" الخطر الداهم" الذي تتذرع به إسرائيل لمواصلة ضرباتها، فقد بقي معلقاً من دون حسم، إذ يتباين الطرفان جذرياً في تعريفه ومضمونه، فرحل بدوره إلى طاولة المفاوضات السياسية الحالية.
وفي المشهد الأوسع، تشير المعطيات إلى أن إسرائيل قد تقترح مساراً للتخفيض التدريجي لضرباتها، لكن بعد أن تكون قد حققت هدفها في إنهاء أي خطر من" حزب الله"، لكنها لن تقبل في أي حال بمعادلة" صفر طلقة مقابل صفر طلقة"، مؤكدة أن هدفها الثابت هو منع الحزب من استعادة أنفاسه وإعادة بناء قدراته، وذلك في ظل غياب تام للثقة بأي تحرك جدي من السلطة اللبنانية سياسية كانت أم عسكرية.
وهكذا تجد بيروت نفسها أمام معادلة بالغة القسوة، وفيها تتفاوض تحت النار، وعلى طاولة تعج بالألغام، وفي ظل توازن قوى لا يميل لصالحها، لكن البديل عن ذلك كله، كما أجمع المحللون، أشد وطأة وأبعد خطراً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك