حين يُذكر التصحَُر تتجه الأذهان إلى أرضٍ تشققت من العطش، وأشجارٍ ذبلت، وحقولٍ هجرتها الحياة.
لكن ثمَة نوعٌ آخر من التصحُر لا ترصُده الأقمار الصناعية، ولا تُقاس مساحاته بالخرائط، ولا تُعقد لأجله المؤتمرات.
إنه التصحُر الذي يُصيب الأرواح، فكما أن الأرض تجِف حين ينقطع عنها المطر، كذلك النفس تجِف حين ينقطع عنها المعنى.
ولعل أخطر ما في هذا الجفاف أنه لا يظهر دُفعةً واحدة، بل يتسلل بهدوءٍ ناعم.
إنه يبدأ حين تتحول الأيام إلى تكرارٍ بلا شغف، والعمل إلى عادةٍ بلا رسالة، والعلاقات إلى حضورٍ بلا دفء، والكلمات إلى صوتٍ بلا أثر، عندها يكتشف الإنسان أنه يعيش ولكنه لا يشعر بالحياة.
وحقيقة الأمر أن الروح لا تحيا بالغذاء وحده، ولكنها تحتاج إلى ما تروي أعماقها، كفكرةً تؤمن بها، وغايةً تمضي نحوها، وقيمةً تستند إليها، وأملٍ يمدَ لها جذور البقاء.
ولذلك لم يكن أخطر ما يُهدد الإنسان فقر الموارد، بل فقر المعنى.
فالإنسان يستطيع أن يصبر على قِلةٍ في يده، ولكنه يعجز طويلاً عن الفراغ في قلبه.
وحين تتصحر الأرواح تذبل المروءة، ويضعف الإحساس بالآخرين، وتصبح المصالح أعلى صوتاً من المبادئ، ويغدو النجاح رقماً لا رسالة، والمكانة منصباً لا أثراً، وهنا يبدأ الجفاف الحقيقي.
إن الحضارات لا تُبنى بالخرسانة وحدها، كما أن الأوطان لا تزدهر بالمشاريع وحدها، إنما تُعمَر وتزدهر قبل ذلك بالإنسان الذي يحمل في داخله أرضاً خصبةً بالقيم، غنيةً بالوعي، قادرة على إنبات الخير أينما حلَ وأقام.
وما أكثر الذين يفرَون من قحط الأرض وهم يحملون في صدورهم صحارى شاسعة، ، فاحرسوا قلوبكم من الجفاف أكثر مما تحرسون حقولكم، واعتنوا بمعانيكم أكثر مما تعتنون بمكاسبكم، فإن الأرض إذا ماتت أحياها المطر، أما الروح إذا استوطنها الجفاف فلا يُحييها إلا الرجوع إلى النبع الذي خُلقت منه.
حيث تنتهي الخرائط، ، تبدأ رحلة الإنسان الحقيقية إلى نفسه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك