تونس -«القدس العربي»: قضت محكمة تونسية بسجن رئيس حركة النهضة التونسية، راشد الغنوشي، مدى الحياة، في حكم اعتبرت المعارضة أنه «وصمة عار في تاريخ القضاء التونسي».
وأصدرت المحكمة الابتدائية في العاصمة، مساء الثلاثاء، حكما بالسجن المؤبد مع ثلاثين سنة سجنا بحق الغنوشي، فضلا عن أحكام بالسجن تتراوح بين 10 سنوات ومدى الحياة بحق قيادات أخرى من الحركة، وفق وكالة الأنباء التونسية.
وتمت إدانة 35 متهما في إطار قضية «الجهاز السري لحركة النهضة» بتهم تتعلق بـ»جرائم تكوين وفاق إرهابي والانضمام عمدا إلى وفاق إرهابي له علاقة بالجرائم الإرهابية، ووضع كفاءات وخبرات على ذمة وفاق إرهابي وعلى ذمة أشخاص لهم علاقة بالجرائم الإرهابية، وجرائم إرهابية أخرى منصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب».
ووصفت هيئة الدفاع عن الغنوشي حكم السجن الجديد بحقه بـ»الصادم والظالم»، معتبرة أن «القضية سياسية والمحاكمة هي لفكر سياسي مخالف لأصحاب الشكوى (هيئة الدفاع عن شكري بلعيد ومحمد البراهمي وحزبي الوطد والتيار الشعبي)، ولا صحة لما ينسبه الشاكون للمتهمين».
كما اعتبرت الهيئة أنه «تم الزج باسم الغنوشي وأسماء أخرى عام 2022 بطلب من وزيرة العدل، وتم عقب ذلك إصدار بطاقة إيداع ضده ومنعه من السفر دون إعلام كما يفرض القانون».
وأكدت أن القضية «بنيت على ملف سبق للقضاء أن أصدر فيه أحكاماً باتة ثبت فيها انعدام أي علاقة للغنوشي بالمتهم فيها وبحيثياتها، مع التذكير أنه قد تم إيقاف المتهم في تلك القضية ومقاضاته سنة 2013 وقضى العقوبة كاملة دون التمتع بأي ظرف من ظروف التخفيف».
كما أكد «اعتراف أحد الشاكين في وسائل الإعلام عام 2018 أن حركة النهضة وقياداتها أبرياء من الاغتيالات السياسية، وهو ما أكدته الأحكام القضائية الباتة في قضايا الاغتيالات الصادرة سنوات 2024 وما يليها».
فيما استنكرت حركة النهضة «الانحراف الخطير وغير المسبوق في مسار العدالة في تونس»، معتبرة أن إعادة إحياء القضية بعدما حسم فيها القضاء قبل سنوات هدف «إقصاء خصم سياسي، أثبت القضاء مراراً براءته من قضايا الاغتيالات السياسية».
كما اعتبرت أن «المحاكمة تمت في الظلام بعيداً عن الرقابة، بعد أن أصرت المحكمة على الجلسات المغلقة في ظروف تنعدم فيها أدنى ضمانات المحاكمة العادلة، ما يُثير تساؤلات جدية حول ما كانت تسعى هذه الجلسات إلى إخفائه».
وعبرت الحركة عن «إدانتها الكاملة للأحكام الصادرة في حق الغنوشي وسائر المتهمين، وتأكيدها أن هذه المحاكمة تفتقر إلى أبسط شروط العدالة، وأنها ستبقى وصمةً في تاريخ القضاء التونسي».
وطالبت بـ»وقف هذه المحاكمات الجائرة فوراً، وإطلاق سراح جميع المساجين السياسيين، والكفّ عن التغطية على فشل السلطة بالاستعراضات القضائية».
كما دعت السلطات إلى «الانصراف عن ملاحقة الخصوم السياسيين إلى معركة الإنقاذ الحقيقية، فالأزمة الاقتصادية حقيقية، والتدهور الاجتماعي حقيقي، ومعاناة المواطن اليومية لن تُداريها محاكم ولا خطاب التطهير».
واستنكرت جبهة الخلاص الوطني الحكم الذي اعتبرته «إعداما للحقيقة وتصحيرا للحياة العامة عبر تكريس مناخ الخوف والترهيب ودفع المواطنين نحو العزوف عن المشاركة السياسية، في وقت تحتاج فيه البلاد -أكثر من أي وقت مضى- إلى حوار وطني جامع واستعادة الثقة في المؤسسات، بدلاً من تعميق الانقسام وتغليب المقاربة الأمنية والقضائية في إدارة الشأن العام».
واعتبرت أن «تواتر المحاكمات السياسية الجائرة، وتوظيف مرفق القضاء لإقصاء المعارضين وترهيب الإعلاميين وإسكات المدونين، حوّل الشأن الوطني إلى مجرد رجع صدى لأروقة المحاكم وأخبار السجون ويوميات الانتهاكات الحقوقية، وتصفية المؤسسات المجتمعية الوسيطة».
ودعت إلى «الاحترام المطلق لاستقلال القضاء وضمان حياده الكامل عن التجاذبات السياسية، وتوفير كافة شروط المحاكمة العادلة والعلنية، وضمان حقوق الدفاع كاملة، والكف الفوري عن توظيف الملفات القضائية لتصفية الخصوم، وإعادة تشكيل المشهد السياسي بالقوة القهرية الغاشمة، وإطلاق حوار وطني شامل يعيد الاعتبار للحياة الديمقراطية والمؤسسات الدستورية المختطفة».
وكتب هشام العجبوني، الأمين العام لحزب التيار الديموقراطي: «عندما يكون لديك وظيفة قضائية لا يتوفّر فيها الحد الأدنى من شروط الاستقلالية وتعمل تحت سيف الإعفاءات ومذكّرات العمل، وعندما لا يتوفّر الحد الأدنى من ضمانات المحاكمة العادلة، بما فيها علنيّة الجلسات، تصبح كل الأحكام باطلة ويصبح كلّ المتّهمين ضحايا، وفي الوقت نفسه تضيع الحقيقة في أروقة السياسة».
ودونت المحامية دليلة بن مبارك، ساخرة: «أحكام السجن مدى الحياة ومعها مكافأة 30 أو 40 أو 50 عاماً سجناً، إضافة إلى مراقبة إدارية (في حال الخروج من السجن) لخمس سنوات! »، مضيفة: «إذا لم يكن من أصدر هذه الأحكام مريضاً يستدعي علاجه بشكل عاجل في مستشفى الأمراض العقلية، فمن المجنون إذاً؟ ».
وكانت منظمة «الكرامة لحقوق الإنسان» (مقرها جنيف) دعت بعثة الأمم المتحدة في تونس إلى حث السلطات التونسية على تنفيذ توصيات الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي التابع للأمم المتحدة والمتعلقة بالإفراج عن الغنوشي باعتباره محتجزا بشكل تعسفي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك