قالت جريدة «نيويورك تايمز» الأميركية إن تطورات الحرب الدائرة بين «إسرائيل» و«حزب الله» في لبنان تكشف تعثر الاستراتيجية الإسرائيلية، التي بدأت قبل ثلاثة أشهر، وسط توقعات بتحقيق مكاسب سريعة، قبل أن تتحول إلى حالة من الجمود العسكري، في وقت يبدو فيه الحزب أكثر قدرة على المواجهة مقارنة ببداية الحرب.
جاء ذلك بعدما لوح رئيس الوزراء الإسرائيلي، المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية في جرائم حرب، بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع بشن غارات جوية على ضواحي بيروت، قبل أن تتراجع «إسرائيل» عن التهديد بعد ساعات، في خطوة عكست حجم الضغوط التي تواجهها بين المطالب الداخلية بتوجيه ضربات أقوى إلى «حزب الله» والضغوط الأميركية الرامية إلى الحد من العمليات العسكرية داخل لبنان.
وكانت الخطة الإسرائيلية تقوم على السيطرة على مناطق داخل الأراضي اللبنانية، وإنشاء منطقة عازلة، لحماية شمال «إسرائيل»، وإبعاد مقاتلي «حزب الله» إلى خارج مدى الصواريخ المضادة للدروع، التي استُخدمت سنوات ضد البلدات الإسرائيلية الحدودية.
فشل الاستراتيجية الإسرائيليةإلا أن الجيش الإسرائيلي، بحسب تقرير نشرته الجريدة أمس الثلاثاء، واجه تحديا غير متوقع، تمثل في الاستخدام المكثف للطائرات المسيرة الانتحارية الموجهة عبر كابلات الألياف البصرية، وهي طائرات لا تتأثر بوسائل التشويش الإلكترونية التقليدية.
- «أكسيوس»: اتصال غاضب بين ترامب ونتنياهو يمنع ضربات إسرائيلية إضافية على بيروت- «فرانس برس»: 6 قتلى في ضربتين إسرائيليتين قرب صور جنوب لبنانوعلى الرغم من أن هذه المسيرات لم تتسبب في خسائر بشرية تعادل حجم الخسائر التي ألحقتها «إسرائيل» بعناصر «حزب الله» والمدنيين اللبنانيين، فإنها واصلت استهداف الجنود والقادة الإسرائيليين داخل لبنان و«إسرائيل»، موثقة عملياتها عبر مقاطع فيديو نشرها الحزب على منصات التواصل الاجتماعي.
وقد أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل جنديين وإصابة عشرة آخرين بهجمات مماثلة الاثنين.
ويرى محللون أن المواجهة التي دخلتها «إسرائيل»، في مارس الماضي، بثقة كبيرة، على أساس أن «حزب الله» أصبح أضعف وأكثر عرضة للضربات، تحولت إلى وضع مختلف تماما، حيث بات الحزب يُظهر قدرة أكبر على القتال، بينما تبدو القوات الإسرائيلية في بعض الأحيان عاجزة عن التعامل مع التهديدات المستجدة.
وقالت المسؤولة السابقة في جهاز الأمن القومي الإسرائيلي، أورنا مزراحي: «الاستراتيجية الإسرائيلية تعرضت للارتباك بسبب عنصر المفاجأة الذي فرضته المسيرات»، مشيرة إلى أن الجيش الإسرائيلي لم يكن يتوقع أن تتحول إلى سلاح بهذه الخطورة.
القضاء على «حزب الله» أم تجنب الصدام مع واشنطنلا تقتصر التحديات التي تواجه «إسرائيل» في لبنان على الطائرات المسيّرة، إذ تواجه الحكومة أيضاً صعوبة في تحقيق التوازن بين المطالب السياسية الداخلية بالقضاء على التهديد الذي يمثله «حزب الله» للسكان الإسرائيليين وبين تجنب الصدام مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وبحسب محللين، فإن نتنياهو، الذي يستعد لخوض انتخابات خلال الأشهر المقبلة، يواجه معضلة سياسية مع استمرار نزوح آلاف السكان من شمال «إسرائيل» أو استمرار لجوئهم إلى الملاجئ بسبب الهجمات المتواصلة.
وأشار الباحث في منتدى السياسات الإسرائيلية، مايكل كوبلو، إلى أن الوضع الحالي لا يعكس استراتيجية عسكرية متكاملة بقدر ما يعكس ضرورة سياسية تبحث عن استراتيجية مناسبة.
وقد بدأت «إسرائيل» هذه الجولة من الحرب بتعهدات واسعة بتغيير الواقع في لبنان بشكل نهائي، لكنها تراجعت تدريجيا عن تلك الأهداف، بعدما تبين أن تحقيقها قد يتطلب السيطرة على لبنان بأكمله.
«إسرائيل» تتراجع عن أهدافهاتعمق هذا التراجع في أبريل الماضي بعد تحرك الرئيس الأميركي لإنهاء الحرب مع إيران، حيث مارست واشنطن ضغوطا على «إسرائيل»، للحد من عملياتها ضد «حزب الله»، بما في ذلك منع توجيه ضربات إلى بيروت.
ومنذ ذلك الحين ركز الجيش الإسرائيلي على تثبيت منطقة عازلة واسعة داخل لبنان، وتدمير ما يصفه بـ«البنية التحتية العسكرية» التابعة لـ«حزب الله»، بعد تهجير مئات الآلاف من المدنيين.
ويرى خبراء عسكريون أن الاكتفاء بالتمركز داخل المنطقة العازلة يحمل مخاطر كبيرة، إذ يجعل القوات الإسرائيلية أهدافاً سهلة للهجمات.
كما يمنح «حزب الله» مبررا إضافيا لتعزيز خطاب «المقاومة».
في المقابل، يطالب مسؤولون وخبراء إسرائيليون باستئناف حملة جوية واسعة تستهدف معاقل «حزب الله» في بيروت ومناطق أخرى من لبنان، معتبرين أن القيود الأميركية تحد من قدرة «إسرائيل» على زيادة الضغط على الحزب.
ويرى مراقبون آخرون أن التوصل إلى اتفاق أميركي ـ إيراني، يتضمن وقفا فعليا لإطلاق النار في لبنان، قد يكون الخيار الأفضل لـ«إسرائيل»، خاصة في ظل المخاوف المتزايدة من تحول الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان إلى احتلال طويل الأمد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك