تحوّلت قضية النرويجي ستاينار فانغن (55 عاماً)، إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الدول الاسكندنافية، بعدما انتقل من موقع المدافع عن" القتل الرحيم" إلى قفص الاتهام في سلسلة قضايا تتعلق بالتحريض على الانتحار والمساعدة على الموت، وصولاً إلى اتهامات بالقتل في كل من النرويج والسويد.
وتعود القضية إلى الواجهة مجدداً مع انطلاق محاكمات جديدة بحق فانغن في السويد اليوم الأربعاء، حيث يصر على أنه لم يرتكب جرائم، بل ساعد أشخاصاً كانوا يرغبون في إنهاء حياتهم.
وفي مقابلة مطولة مع هيئة البث النرويجية NRK، دافع عن نفسه قائلاً: " الأشخاص الذين ساعدتهم هم الذين تواصلوا معي وطلبوا المساعدة.
بالنسبة لي، القتل الرحيم عمل من أعمال الرحمة".
لكن السلطات السويدية والنرويجية تنظر إلى أفعاله بصورة مختلفة تماماً، وتطلق عليه بعض وسائل الإعلام والصحافة المحلية لقب" القاتل المتسلسل".
وبحسب الادعاء السويدي، تواصل فانغن بين إبريل/نيسان وسبتمبر/أيلول 2024 مع أربعة أشخاص عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأرسل لهم أدوية وتعليمات لإنهاء حياتهم، ما أدى إلى إدانته في قضايا تتعلق بالمساعدة على الانتحار، مع ملاحقته في ملفات أخرى قد ترفع سقف العقوبات، وفق ما نشره التلفزيون السويدي اليوم الأربعاء.
وتشير التحقيقات إلى أنه كان ناشطاً لسنوات داخل مجموعات مؤيدة للقتل الرحيم، حيث تواصل مع أشخاص يعانون من أمراض مزمنة أو أزمات نفسية حادة، قبل أن يصف نفسه بـ" ناشط سياسي" سعى لدفع النقاش نحو تقنين القتل الرحيم، معترفاً بأنه انتقل من الدعم النظري إلى" مخاطرة محسوبة" بالتنفيذ الفعلي.
لا تقتصر قضاياه على التحريض على الانتحار، إذ يقضي حالياً حكماً بالسجن لثماني سنوات بعد إدانته بالمساعدة في انتحار امرأة داخل فندق نوردبي على الحدود السويدية–النرويجية عام 2023.
كما يواجه اتهاماً منفصلاً بقتل امرأة في ترولهاتان عام 2024، إذ تنص لائحة الاتهام على خنقها بوسادة، بينما ينفي ذلك، مؤكداً أنه كان حاضراً وساهم في الأحداث دون تنفيذ القتل.
وسيحاكم في كل من استوكهولم وأوسلو، وفي حال تعذر إثبات القتل، قد يُدان بالمساعدة على الانتحار، مع احتمال لجوء السلطات النرويجية إلى" الاحتجاز الوقائي" (Forvaring)، الذي قد يبقيه في السجن دون سقف زمني إذا اعتُبر خطراً دائماً على المجتمع.
يزداد الجدل حول فانغن بسبب سجله القديم، إذ أُدين عام 1986، عندما كان في الخامسة عشرة، بقتل طفلة تبلغ سبع سنوات بعد استدراجها إلى غابة والاعتداء عليها.
ورغم تقييمات نفسية لاحقة اعتبرته مسؤولاً قانونياً، يرى منتقدون أن هذا الماضي يطغى على محاولته تقديم نفسه بصفة" ناشط أخلاقي"، فيما يؤكد أنه لا يشكل خطراً وأن هدفه سياسي يتعلق بإثارة النقاش حول الحق في الموت بكرامة.
أثارت القضية أيضاً جدلاً إعلامياً بعد انتقاد فانغن للطريقة التي كشفت بها قناة TV2 نشاطه عبر وثائقي" ملائكة الموت"، إذ استخدم صحافيون هوية مزيفة لاستدراجه إلى فندق نوردبي بحجة لقاء امرأة ترغب في الموت، قبل أن يُواجه بالكاميرا وتُبلغ الشرطة لاحقاً، ويقول إنه" وقع في فخ"، بينما تدافع القناة عن أسلوبها باعتبار القضية ذات مصلحة عامة استثنائية، وهو ما أيدته لاحقاً لجنة أخلاقيات الصحافة النرويجية.
جدل اسكندنافي حول حدود" المساعدة على الموت"تعيد القضية فتح نقاش متجدد في الدول الاسكندنافية حول حدود القتل الرحيم والمساعدة على الانتحار، حيث لا يزال القتل الرحيم النشط محظوراً في النرويج والسويد والدنمارك وفنلندا، مع تجريم واسع للمساعدة على الانتحار انطلاقاً من مبدأ حماية الحياة بوصفها مسؤولية دولة.
في المقابل، تسمح دول أوروبية مثل هولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ بالقتل الرحيم ضمن شروط طبية وقانونية صارمة، بينما تعتمد سويسرا نموذجاً خاصاً للمساعدة على الانتحار.
أما في الشمال الأوروبي، فلا يزال الرفض السياسي واسعاً رغم تصاعد النقاش حول حق المرضى في إنهاء حياتهم طوعاً في حالات المعاناة الشديدة.
بينما يرى مؤيدو القتل الرحيم أن القضية تطرح سؤالاً إنسانياً حول إنهاء المعاناة، يعتبر منتقدو فانغن أن ما قام به تجاوز واضح للقانون، لأن قرار إنهاء الحياة لا يمكن أن يُترك لأفراد أو ناشطين خارج الإطار الطبي والقانوني.
وهكذا تتحول قضية فانغن من ملف جنائي فردي إلى مرآة لنقاش أوروبي أوسع: أين ينتهي حق الإنسان في الموت بكرامة، وأين تبدأ جريمة التحريض على الانتحار أو القتل، وهل يمكن فعلاً فصل" الرحمة" عن الجريمة في مثل هذه الحالات؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك