في الحروب، لا تموت الأشياء دفعة واحدة، تموت بالتقسيط.
ينكسر البيت أولاً، ثم الشارع، ثم المدرسة، ثم الأشجار التي كانت تظلل الطريق.
بعدها العادات الصغيرة التي كانت تمنح الحياة إيقاعها الطبيعي، ثم يأتي يوم يبكي فيه طفل، لأن نظارته انكسرت، فيظن من يراه أنه يبكي على نظارة، بينما هو في الحقيقة يبكي على ما هو أكبر بكثير.
قبل أيام، انتشرت صورة لطفل غزّي صغير يجلس داخل خيمة نزوح، ممسكاً بنظارته الطبية المكسورة بين يديه، كان يبكي بكاءً مريراً.
بكاء طفل يشعر أن شيئاً مهماً جداً قد ضاع منه، في البداية، توقفت عند دموعه.
ثم توقفت عند النظارة، ثم أدركت أنني لا أنظر إلى طفل فقد نظارة.
إنه طفل فقد جزءاً من قدرته على رؤية العالم.
في الأماكن الآمنة، تبدو النظارة شيئاً عادياً، إذا انكسرت، يمكن إصلاحها.
إذا ضاعت، يمكن شراء غيرها، إذا تغيّر القياس، يمكن استبدال العدسات.
لكن داخل خيمة نزوح، وسط حرب لا تنتهي، تصبح النظارة شيئاً آخر تماماً.
تصبح ضرورة، وتصبح امتيازاً، وتصبح أحياناً الشيء الوحيد الذي يربط الطفل بالعالم الذي حوله، لذلك لا يمكن قياس دموع هذا الطفل بمقياس الحياة الطبيعية.
نحن ننظر إلى النظارة، أما هو فربما كان ينظر إلى كل ما تعنيه تلك النظارة.
إلى القدرة على القراءة، إلى القدرة على رؤية وجه أمه بوضوح، إلى القدرة على تمييز ملامح الناس، إلى القدرة على السير من دون خوف من الاصطدام بكل شيء.
الحروب قاسية لأنها لا تكتفي بسرقة الأرواح، لو كانت تفعل ذلك فقط لكان الألم مفهوماً وواضحاً، لكنها تذهب أبعد من ذلك، إنها تسرق التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد إلا حين يفقدها.
تسرق حق الإنسان في حياة عادية، حقه في أن ينشغل بأمور عادية، حقه في أن تكون مشكلته الوحيدة امتحاناً مدرسياً أو لعبة ضائعة أو موعداً متأخراً.
أما في الحروب، فإن أبسط الأشياء تتحول إلى أزمات كبيرة، كوب ماء، علبة دواء، كرسي متحرك، سماعة أذن، أو نظارة طفل.
ما أحزنني، ليس حجم المأساة إنما صغرها.
نعم، صغرها، لأن المآسي الكبيرة اعتدنا عليها.
صرنا نقرأ عن عشرات القتلى كما نقرأ نشرة الطقس.
نسمع عن القصف كما نسمع عن ازدحام السير.
الأرقام أصبحت كبيرة إلى درجة أن القلب لم يعد قادراً على استيعابها، لكن صورة طفل يبكي على نظارة مكسورة تعيد المأساة إلى حجم الإنسان.
إلى حجم دمعة، إلى حجم خوف صغير يسكن قلب طفل لا يفهم لماذا يصبح كل شيء حوله هشاً وقابلاً للكسر.
تأملت وجهه طويلاً، وجه نحيل، عينان حمراوان من البكاء، ملامح متعبة أكبر من عمرها، وفجأة وجدت نفسي أفكر بأطفال العالم الآخرين.
في هذه اللحظة نفسها، هناك طفل في مدينة هادئة يبكي لأن بطارية جهازه اللوحي نفدت، وطفل آخر يرفض تناول طعامه، وطفل ثالث غاضب، لأن والديه لم يشتروا له اللعبة التي يريدها، وهذا أمر طبيعي.
هكذا يجب أن تكون مشاكل الأطفال، صغيرة وعابرة ومؤقتة.
لكن أطفال الحروب لا يمنحون هذا الامتياز، يكبرون قبل أوانهم، ويتعلمون الخوف قبل القراءة، ويتعلمون الانتظار قبل اللعب، ويتعلمون معنى الفقد قبل أن يتعلموا معنى الأمل.
ربما لهذا السبب بدا بكاء الطفل أكبر من حادثة كسر النظارة نفسها.
أحياناً لا يبكي الإنسان على السبب الظاهر، يبكي على كل ما سبقه، على الخسارات التي تراكمت بصمت، على الخوف الذي سكن قلبه طويلاً، على الليالي التي لم ينم فيها مطمئناً.
على الأشياء الكثيرة التي ضاعت منه ولم يجد وقتاً للبكاء عليها.
ثم تأتي حادثة صغيرة جداً، فتفتح باب الدموع كلها دفعة واحدة.
الطفولة ليست مرحلة عمرية، بل شعور بالأمان.
وحين يختفي الأمان، تبدأ الطفولة بالتلاشي، حتى لو بقي العمر صغيراً.
هذا الطفل لا يحتاج إلى نظارة جديدة فقط، يحتاج إلى أكثر من ذلك بكثير.
يحتاج إلى مدرسة، إلى غرفة خاصة به، إلى نافذة تطل على شجرة لا على خيمة! الى سرير ثابت لا يضطر إلى مغادرته كلما تغيّر مكان النزوح.
يحتاج إلى حياة تسمح له بأن يكون طفلاً.
وهذا، في النهاية، هو أكثر ما تسلبه الحروب من البشر.
قد تعيد بناء البيوت، وقد ترمم الطرق، وقد تفتح المدارس من جديد، لكن الطفولة التي تضيع لا تعود كاملة أبداً.
ربما سيحصل هذا الطفل على نظارة جديدة قريباً، أتمنى ذلك.
أتمنى أن يجد من يساعده.
أتمنى أن يرى العالم بوضوح من جديد، لكنني أتمنى له شيئاً أكبر بكثير من العدسات والإطارات.
أتمنى له مستقبلاً لا يضطر فيه إلى البكاء على الأشياء الضرورية.
أتمنى أن يأتي يوم تصبح فيه النظارة مجرد نظارة، لا رمزاً للبقاء، ولا معركة يومية، ولا سبباً لانكسار القلب.
في النهاية، ليست هذه قصة طفل ونظارة، إنها قصة حرب كاملة، قصة عالم نجح في أن يعتاد على صور الدمار الكبرى، لكنه ما زال يرتبك أمام دموع طفل صغير يجلس داخل خيمة ويحمل بين يديه نظارة مكسورة.
ولعل أكثر ما يؤلم ذلك أننا ندرك، ونحن ننظر إليه، أن العدسة لم تكن الشيء الوحيد الذي انكسر، كان هناك شيء آخر ينكسر بصمت.
الطفولة، وهي، للأسف، أكثر هشاشة من الزجاج.
المباراة التي لم يرها أحدفي أحد الشوارع الترابية البسيطة في مصر، كان الأطفال يلعبون كرة القدم.
هذا ما بدا لي في البداية، ثم اكتشفت أنهم لا يملكون كرة أصلاً، كانوا يركضون، يراوغون، يتبادلون التمريرات، يصرخون، يتشاجرون على الأخطاء، ويحتفلون بالأهداف.
لكن الكرة لم تكن موجودة.
كانت موجودة فقط في خيالهم.
توقفت طويلاً أمام هذا المشهد! ليس لأنه غريب، بل لأنه يكشف شيئاً عميقاً جداً عن الإنسان، فالإنسان لا يعيش بما يملك فقط.
بل بما يستطيع أن يتخيله.
وهؤلاء الأطفال، الذين لم يجدوا كرة حقيقية يلعبون بها، لم يستسلموا لغيابها، اخترعوا كرة، ورسموا ملعباً غير مرئي.
وخاضوا مباراة كاملة لا تراها العين، لكنها كانت حقيقية تماماً بالنسبة إليهم.
في عالم الكبار، تتحول الحياة غالباً إلى قائمة طويلة من الشروط.
نحتاج إلى المال أولاً، ثم المكان المناسب، ثم الوقت المناسب، والظروف المناسبة، ثم نبدأ بالعيش.
أما الأطفال فيملكون حكمة مختلفة، إنهم يبدأون في العيش أولاً، ثم يتدبرون أمر التفاصيل لاحقاً.
ولهذا استطاع هؤلاء الصغار أن يقنعوا أنفسهم بأن الكرة موجودة.
ولأنهم آمنوا بوجودها، أصبحت موجودة فعلاً، على الأقل في تلك اللحظة.
تذكرت طفولتنا، جيل كامل لعب بأشياء لم تكن موجودة.
بنينا بيوتاً من الخيال.
وصنعنا سيارات من علب فارغة، وحولنا الأزقة الضيقة إلى ملاعب عالمية، كنا نمتلك القليل جداً، لكننا لم نشعر أننا فقراء، لأن الخيال كان يسد الفراغات كلها، كان يعوض نقص الألعاب، ونقص الما.
، ونقص الإمكانات.
حين كبرنا، فقدنا شيئاً من هذه القدرة، صرنا نرى ما ينقصنا أكثر مما نرى ما نملكه.
ننظر إلى الأشياء غير الموجودة، إلى الفرص الضائعة، إلى الأحلام المؤجلة.
أما الأطفال فما زالوا يملكون تلك الموهبة النادرة، موهبة تحويل النقص إلى لعبة، والحرمان إلى مغامرة، والفراغ إلى عالم كامل.
ما أجمل أن يتفرج الإنسان على مباراة لا وجود لها.
أن يرى أطفالاً يركضون خلف كرة غير مرئية، لكنه يشعر في الوقت نفسه أنها موجودة أكثر من أشياء كثيرة نراها بأعيننا كل يوم.
فالكرة ليست دائماً قطعة جلد منفوخة بالهواء، أحياناً تكون فكرة.
وأحياناً تكون أملاً، وأحياناً تكون سبباً كافياً لكي ينسى طفل هموم بيته لساعتين.
أحد أكثر المشاهد تأثيراً في الفيديو المنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي لم يكن اللعب نفسه إنما الجدية، الجدية المطلقة، لم يكن أحد منهم يتظاهر.
لم يكن أحد يسخر من اللعبة، كل واحد منهم كان يعرف تماماً أين توجد الكرة.
إلى أين تحركت، ومن لمسها، ومن أخطأ، ومن سجّل.
كأن الخيال الجماعي صنع واقعاً مؤقتاً اتفق الجميع على احترامه.
وهذا ما تفعله الطفولة دائماً.
تبني عالماً هشاً من الأحلام، ثم تطلب منا أن نؤمن به.
ربما كان بعض هؤلاء الأطفال يتمنى كرة حقيقية، وربما يحلم بحذاء رياضي جديد.
وربما يتمنى ملعباً أخضر يشبه الملاعب التي يشاهدها على التلفاز، لكن الحياة لم تمنحه ذلك، ومع ذلك لم ينتظر.
لم يجلس على الرصيف حزيناً.
لم يقرر أن غياب الكرة يعني غياب المباراة، نما صنع مباراة كاملة من لا شيء.
وهذه ليست مهارة طفولية فقط.
إنها درس كبير للكبار أيضاً.
كم من مرة أوقفنا أحلامنا، لأن شيئاً صغيراً كان ناقصاً؟ كم من مرة انتظرنا الظروف المثالية التي لا تأتي؟ كم من مرة أقنعنا أنفسنا أن السعادة مؤجلة إلى إشعار آخر؟ بينما يقف هؤلاء الأطفال في شارع ترابي بسيط ليقولوا لنا شيئاً مختلفاً تماماً: ليس ضرورياً أن تملك كل شيء لكي تفرح، وليس ضرورياً أن تكون الظروف كاملة لكي تبدأ الحياة.
حين انتهى الفيديو، لم أفكر في فقر القرية، ولا في غياب الكرة، ولا في الشارع الترابي.
فكرت في تلك القوة العجيبة التي تجعل الأطفال قادرين على اختراع الفرح من العدم.
قد يكبر هؤلاء الصغار يوماً، وقد ينسون تلك المباراة، وقد يحصلون على عشرات الكرات الحقيقية، لكنني أشك أنهم سيعيشون مباراة أجمل من تلك.
لأن أجمل المباريات أحياناً تكون في شارع ترابي صغير، بلا جمهور، وبلا حكم، وبلا كرة.
لكنها تمتلئ بشيء أثمن من كل ذلك، تمتلئ بالخيال.
والخيال، في النهاية، هو أول ما تبنيه الطفولة قبل أن تبني الحياة كل شيء آخر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك