تقترب سوريا من محطة سياسية مهمة مع الإعلان المرتقب عن قائمة الأعضاء الذين سيُعيّنهم الرئيس أحمد الشرع في مجلس الشعب، تمهيداً لانعقاد أولى جلساته خلال فترة قصيرة.
وقد يبدو الأمر للبعض إجراءً تنظيمياً في سياق بناء مؤسسات الدولة، لكنه في الحقيقة يحمل دلالات أعمق بكثير، لأنه يمثل إحدى الحلقات الأساسية في انتقال سوريا من مرحلة الثورة والتحرير إلى مرحلة الدولة والمؤسسات.
فالدول لا تُدار إلى ما لا نهاية بمنطق اللحظات الاستثنائية، مهما كانت عظيمة.
والثورات، مهما بلغت مشروعيتها، تحتاج في نهاية المطاف إلى أن تتحول إلى مؤسسات وقواعد وآليات حكم قادرة على إنتاج الاستقرار والتنمية.
والتاريخ يعلمنا أن نجاح حركات التحرر لا يُقاس فقط بقدرتها على إسقاط النظام القديم، وإنما، الأهم ربما، بقدرتها على بناء نظام جديد أكثر كفاءة وشرعية واستدامة.
من هنا تكتسب عملية تشكيل مجلس الشعب أهمية استثنائية.
فهي ليست استكمالاً لشكل دستوري أو إداري فحسب، بقدر كونها خطوة ضرورية على طريق إعادة بناء المجال السياسي السوري نفسه، بعد عقود طويلة جرى خلالها إفراغ المؤسسات من مضمونها وتحويلها إلى هياكل شكلية لا تؤدي دوراً حقيقياً في التشريع أو الرقابة أو تمثيل المجتمع.
لكن أهمية الخطوة لا تعني أن نجاحها مضمون تلقائياً.
فالفرق كبير بين إنشاء مؤسسة جديدة، وبين إنشاء مؤسسة قادرة على أداء دورها الوطني الحقيقي.
وهنا تبرز أهمية المعايير التي ينبغي أن تحكم عملية الاختيار من جهة، وآليات عمل المجلس من جهة أخرى.
أول هذه المعايير هو الكفاءة.
فالمجلس المقبل سيواجه ملفات شديدة التعقيد تتعلق بالتشريع والاقتصاد وإعادة الإعمار والتنمية والإدارة العامة والسياسات الاجتماعية.
وهذه الملفات تحتاج إلى خبرات حقيقية وقدرات تحليلية وعملية، أكثر مما تحتاج إلى الخطابات والشعارات.
ويأتي إلى جانب الكفاءة معيار بالغ الأهمية يتمثل في الفهم العميق لتعقيدات بناء الدولة في المراحل الانتقالية.
فإدارة دولة خارجة من عقود الاستبداد والحرب والانقسام تختلف جذرياً عن العمل السياسي في الظروف الطبيعية.
وفي مثل هذه المراحل لا تكون الخيارات بين حلول مثالية وأخرى سيئة، بل بين بدائل متعددة لكل منها كلفتها وتحدياتها.
ولذلك تحتاج سوريا إلى شخصيات تدرك الفارق بين الرغبات المشروعة والقدرات المتاحة، وبين سرعة الإنجاز ومتطلبات الاستدامة، وبين المثال النظري ومتطلبات الواقع التنفيذي.
أما المعيار الثالث فهو التنوع الوطني الواسع.
فسوريا الجديدة لا يمكن أن تُبنى بعقل واحد أو منطقة واحدة أو خلفية اجتماعية واحدة.
وكلما نجح المجلس في عكس التنوع السوري بمختلف أبعاده الجغرافية والاجتماعية والمهنية والثقافية، ازدادت قدرته على إنتاج سياسات أكثر توازناً وقرباً من احتياجات المجتمع.
ويتمثل المعيار الرابع في الاستقلالية الفكرية والشخصية.
فالمجلس الناجح ليس ذلك الذي يضم عشرات الأشخاص الذين يفكرون بالطريقة نفسها، وإنما الذي يضم عقولاً قادرة على النقاش والتدقيق وتقديم البدائل.
فالدول القوية لا تخشى تعدد الآراء داخل مؤسساتها، بل تستفيد منه في تحسين جودة القرار.
أما المعيار الخامس فهو النزاهة الأخلاقية والسمعة العامة.
فالمجتمعات الخارجة من حقب الاستبداد تحتاج إلى استعادة الثقة بالمؤسسات العامة، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر شخصيات تحظى بالاحترام والمصداقية لدى المواطنين.
نجاح حركات التحرر لا يُقاس فقط بقدرتها على إسقاط النظام القديم، وإنما، الأهم ربما، بقدرتها على بناء نظام جديد أكثر كفاءة وشرعية واستدامةغير أن جودة الاختيار تمثل نصف المعادلة فقط.
أما النصف الآخر فيتعلق بطريقة عمل المجلس نفسه.
فقد اعتاد السوريون لعقود طويلة على نموذج برلماني يقوم على التصفيق أكثر مما يقوم على النقاش، وعلى المصادقة أكثر مما يقوم على الرقابة.
أما التحدي الحقيقي اليوم فيكمن في بناء ثقافة مؤسسية مختلفة تماماً، تجعل من المجلس منصة جادة لمناقشة السياسات العامة وتحسينها وتطويرها.
وعليه، فإن على المجلس أن ينشغل بالسؤال عن جودة القرارات ونتائجها وآثارها على حياة الناس، وأن يساهم في تطوير التشريعات والسياسات التي تساعد الدولة على مواجهة التحديات الهائلة التي ورثتها من العقود السابقة.
فالدولة الحديثة تُدار بالخطط والمؤشرات والبرامج والبيانات، لا بالانفعالات والشعارات.
كما أن نجاح المجلس سيتوقف إلى حد كبير على قدرته على ممارسة الرقابة المهنية الرصينة على أداء السلطة التنفيذية.
فالرقابة ليست خصومة سياسية، كما أنها ليست استعراضاً إعلامياً.
إنها وظيفة مؤسسية هدفها تحسين الأداء العام للدولة، واكتشاف مواطن الخلل، والمساهمة في تصحيح المسارات قبل تحولها إلى أزمات.
ومن المهم أيضاً أن ينجح المجلس في بناء علاقة حقيقية مع المجتمع، بحيث لا يتحول إلى مؤسسة معزولة داخل جدران القاعة البرلمانية.
فقيمة أي مؤسسة تمثيلية تُقاس بقدرتها على الإنصات للناس، ونقل احتياجاتهم إلى دوائر صنع القرار، وتحويلها إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ.
وفي التجارب الانتقالية الناجحة حول العالم، كانت البرلمانات الأكثر تأثيراً هي تلك التي تحولت إلى منصات وطنية للحوار وصناعة التوافقات الكبرى، وساهمت في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وفي إنتاج الاستقرار السياسي اللازم لعمليات التنمية وإعادة البناء.
لهذا كله، فإن الإعلان المرتقب عن مجلس الشعب لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد خبر سياسي عابر، لأنه، في حقيقة الأمر، اختبارٌ مهم لقدرة سوريا الجديدة على الانتقال من شرعية التحرير إلى شرعية المؤسسات، ومن لحظة الانتصار إلى مرحلة البناء، ومن منطق الثورة إلى منطق الدولة.
وفي نهاية المطاف، فإن قيمة المجلس المقبل لن تُقاس بعدد أعضائه ولا بأسمائهم، وإنما بمدى مساهمته في بناء دولة أكثر كفاءة وعدالة واستقراراً.
ولعل التحدي الأكبر ليس أن يضم شخصيات وطنية فحسب، بل أن يضم شخصيات تدرك أن بناء الدول بعد الحروب والثورات ليس سباقاً للشعارات، وإنما عملية تاريخية شديدة التعقيد، تحتاج إلى العلم بقدر ما تحتاج إلى الإخلاص، وإلى الحكمة بقدر ما تحتاج إلى الحماسة، وإلى الصبر الاستراتيجي بقدر ما تحتاج إلى الإرادة.
فالتاريخ لا يتذكر كثيراً قوائم التعيين، لكنه يتذكر دائماً المؤسسات التي نجحت في خدمة أوطانها وصناعة مستقبل جديدٍ منشود!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك