قبل أيام من مباراة نهائي أبطال أوروبا في كرة القدم بين الفرنسي باريس سان جيرمان والإنكليزي أرسنال في بوادبست، كنت في نقاش مع أصدقاء أحدهم من عشاق باريس سان جيرمان، لا تفوته صغيرة أو كبيرة من أخبار النادي.
يفرح لأفراحه ويتألم لأحزانه.
في أثناء النقاش تمسك صديقنا، الذي عاش في فرنسا أكثر من 30 سنة، وبالتالي هو على اطلاع جيّد بما يدور في فرنسا على كل الأصعدة، تمسك بأن الكثير من الفرنسيين لا يحبون نادي باريس سان جيرمان.
قال إن مشاعرهم سلبية تجاه النادي على الرغم من كل ما حققه لفرنسا وعاصمتها، وأقله أنه أعاد فرضها على خارطة العواصم الرياضية الكبرى بعد سنوات وربما عقود من الأفول.
حجتهم، كما يرى، أن النادي مملوك لقطر أولاً، ويعجّ باللاعبين المنحدرين من أصول أجنبية، إفريقية خصوصا، ثانياً.
الحجة ليست خاطئة.
النادي فعلا مملوك لقطر، وأغلب لاعبيه ملوَّنون ولا يزالون متمسكين بأصولهم وأصول آبائهم وأجدادهم.
لكن السؤال هل هذه ذريعة لاتخاذ مواقف من النادي تتقاطع مع الكراهية والعنصرية؟بكل تأكيد لا.
هذا انحراف نفسي وأخلاقي.
وهذه ذريعة الغافلين، في كل مكان، الذين يصدّقون أنهم يستطيعون التحكم في نادي مدينتهم، بينما هم وغيرهم من الأنصار والمتابعين في ربوع العالم مجرد بضاعة تُضاعِف يوميا ثروات النوادي.
غلطة هؤلاء أنهم يجهلون أن نوادي الكرة عبارة عن شركات تجارية عابرة للحدود هدفها الربح وكفى، معنويا كان أو ماديا.
غلطتهم أنهم يؤمنون بأن الكرة مجرد فرجة، بينما هي في واقع الأمر ديانة جديدة تتحكم في عقول ووقت ملايين البشر وتقودهم على هواها.
أقوى دولة في العالم اليوم هي دولة الفيفا.
بضاعتها الأساسية هؤلاء الذين لا يشبعون ملء بطونهم ولا يجدون مرحاضا لائقا لقضاء حاجتهم ثم يتقاتلون على الكلاسيكو الإسباني، ومن لعب أفضل ويستحق الفوز أكثر.
أقوى موازنة هي موازنة الفيفا.
أقوى أسلحتها الأموال الطائلة التي تجنيها من النوادي والفرق والإعلانات وحقوق البث.
ثم تأتي النوادي والفرق التي لا ينظر إليها أصحابها سوى على أنها ماكينات لدر الأموال كل ساعة ويوم وأسبوع وفي كل حركة تجارية، صغيرة كانت أو كبيرة.
مهما صدمتك أرقام رواتب اللاعبين، ثق أنها أقل مقارنة بما ينتهي إلى جيوب النوادي وملاكها والوسطاء والاتحادات، خصوصا الفيفا.
وثق أن اللاعب، مهما علا شأنه واسمه، هو فقط تلك الدجاجة التي تبيض ذهبا في خزائن النوادي والفيفا.
مهم التشديد على أن مَن لهم عقدة مع نادي باريس سان جيرمان ليسوا كل الفرنسيين، بل المؤدلجون منهم الذين يسهرون مع قناة «سي نيوز» التلفزيونية وأخواتها، ويسوقهم «المحللون» في الاستوديوهات.
لكن… للوهلة الأولى وبتسطيح الأشياء قد تجد أن المشاعر السلبية التي تكنّها فئة من الفرنسيين للنادي، وأسبابها مفهومة: عندما يتلحف اللاعب أشرف حكيمي بالعلم المغربي ولاعبون آخرون بأعلام بلدانهم الإفريقية، ويرفرف علم فلسطين والجزائر في مدرجات الملاعب وأسقف السيارات وهي تشق صاخبة أكبر شوارع باريس، يصبح من حق بعض الفرنسيين أن يسألوا هل هذا نادي عاصمتهم أم شيء آخر.
لكن هذا نصف الموضوع.
نصفه الآخر هو لماذا يتصرف لاعبو نادي العاصمة الفرنسية وبعض جمهوره بهذه الطريقة؟ ولماذا يحرق الأنصار الدنيا سواء فاز ناديهم أو انهزم؟ فتّش عن السياسة، وعن اليمين الشعبوي وعن الإعلاميين الذين جعلوا من شتم الآخرين وظيفة يومية لهم، ويريدون تحويل كراهيتهم للأجانب والمسلمين إلى ثقافة وطنية.
عندما تتأمل الموضوع بتفاصيله الصغيرة تجد أن تصرفات حكيمي وعثمان ديمبلبي وغيرهم هي ردود، مقصودة أو عفوية، على ما تحفل به وسائل الإعلام الفرنسية من ضخ يومي للكراهية والتحريض على الأحقاد.
لو أدرك الفرنسيون الذين يُسقطون كل شيء على كل شيء هذه الحقائق الاقتصادية، لشُفيت الكرة الفرنسية من أعمال الشغب والسطو على الممتلكاتأعمال الشغب والتخريب ومناكفة رجال الشرطة التي تعقب كل مباراة، مرفوضة ومدانة.
لكنها هي أيضا نوع من الرد على حفلات الكراهية التي تحفل بها التلفزيونات ووسائل الإعلام الفرنسية.
هي تفصيل يتغذى من الجو العام السائد في فرنسا والموغل في التحريض الإعلامي والسياسي وفي المقاربات الأمنية والبوليسية.
الشرطي الفرنسي يرى في الشاب «الغامض» الذي يسير في الشارع عدوا سينقض عليه.
والشاب يرى في الشرطي عدوا سيطرحه أرضا في أي لحظة ثم يُعنّفه وربما يقتله.
الظاهرة أكبر من مباراة كرة.
هذا الحرق والنهب تعيشه فرنسا في ليالي رأس السنة الميلادية، وفي احتفالات العيد الوطني يوم 14 تموز (يوليو) كل عام.
شهدت فرنسا مثل هذا المزاج في مونديال 1998 عندما فازت بكأس العالم وكان فريقها القومي الأساسي يتكون من 8 لاعبين ينحدرون من الهجرة.
آنذاك احتار بعض الفرنسيين هل يفرحون بالفوز أم يحزنون لأن أفارقة وأمازيغ جلبوه لهم.
لكن الفرق شاسع بين ذلك الزمن واليوم.
آنذاك كانت النفوس أقل حقدا وأكثر حياء مقارنة بما هي اليوم.
كان مرضى الاستوديوهات التلفزيونية أقل عددا وجرأة.
غير بعيد عن فرنسا إلى الشمال، في إنكلترا، يوجد 20 نادياً في الدوري الممتاز، أفضل دوريات العالم وأغناها.
3 نواد فقط من الـ20، هي برنتفورد في غرب لندن وتوتنهام هوتسبير في شمالها، وبرايتون في الجنوب الشرقي، مملوكة بالكامل لأفراد أو مجموعات إنكليزية.
بينما يملك رجال أعمال أجانب وشركات عابرة للقارات النوادي الأخرى، ومنها الأندية القوية والأغلى قيمة، بمختلف الصيغ والنسب.
رغم كل هذا وأكثر، تخلو بريطانيا وأوساط الكرة فيها من النقاشات المريضة التي تنخر فرنسا.
حتى عندما يصاب الإنكليز بالإحباط ويناقشون بحدّة أسباب إقصاء فريقهم القومي، لا تسمع حديثا يذم الأجانب أو يتطاول على أصولهم وثقافاتهم.
في فرنسا يمتلك أجانب، أو يشاركون في ملكية، نوادي ستراسبورغ وأولمبيك ليون ونيس وغيرها.
وفي إسبانيا يمتلك رأس المال الأجنبي نوادي فالنسيا وجيرونا ومايوركا وإسبانيول بنسب متفاوتة.
لا يخلو دوري أوروبي من رأس مال أجنبي قادم أحيانا من دول لا صلة لها بالكرة مثل سنغافورة وتايلند ودول عربية.
هذه سُنّة البزنس في عالم اليوم والكرة أكثر نشاط اقتصادي يدر أموالا إلى جانب الاختراعات الرقمية.
لو أدرك الفرنسيون الذين يُسقطون كل شيء على كل شيء هذه الحقائق الاقتصادية، لشُفيت الكرة الفرنسية من أعمال الشغب والسطو على الممتلكات عقب كل مباراة كبرى.
لو تعلموا التسامح منذ فوزهم بكأس العالم، لكان حالهم وحال بلادهم اليوم أفضل.
لو يقللون مشاهدة قناة «سي نيوز» وأخواتها وكفّوا عن تصديق إعلام الملياردير فانسن بولوري ستكون فرنسا أكثر أخوة وحياتهم أكثر تسامحا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك