عقب انتخاب الرئيس اليمني الراحل عبد ربه منصور هادي رئيساً توافقياً، في 21 فبراير 2012 كان لي أول حوار معه، كرئيس للجمهورية، نشر الحوار حينها في جريدة الشرق الأوسط اللندنية التي كنت أعمل فيها.
ثم في سبتمبر من العام نفسه التقيت الرئيس هادي رحمه الله في لندن، وهو في طريقه إلى نيويورك، لحضور أول اجتماع له للجمعية العامة للأمم المتحدة، بصفته رئيساً للجمهورية.
طلبت لقاء هادي، وتم اللقاء، وأجريت معه دردشة خفيفة في لندن، لصالح الصحيفة، نزلت حينها كتصريحات، حيث لم يكن وقت الرئيس يسمح بإجراء حوار مطول، ولأنني كنت قد أجريت حواراً مطولاً معه، بعيد انتخابه في فبراير من العام نفسه.
دخلت على الرئيس، وكان معه وزير الخارجية حينها، الدكتور أبوبكر القربي، وسفيرنا حينها في لندن، الأستاذ عبدالله الرضي.
كان الجو – في لندن يومها – ممطراً، وكنا نجلس في صالة مطلة على الشارع العام، والوقت صباحاً، والإنكليز يتحركون كأسراب النمل في الشوارع إلى أعمالهم.
قلت للرئيس: متى تصل بلادنا إلى مثل هذا الوضع الأمني، الناس ينطلقون في أمان إلى أعمالهم، وحتى أنت فخامة الرئيس، لو نزلت إلى الشارع تمشي، فلن تشعر بشيء من القلق.
نظر الرئيس إليَّ نظرة ذات معنى، ثم بدأ الحديث عن وضع اليمن حينها، مشبها اليمن بسيارة تغوص في بحر من الرمال، ينبغي أن يتحلى سائقها بقدر من البصيرة، لكي يخرجها من هذا البحر.
ثم ذكر تفاصيل كثيرة عن تاريخ اليمن وحروبه التي يجب أن تتوقف.
قلت له: لعل السائق يخرج السيارة من الرمال إن شاء الله.
تبسم الرئيس، وواصلنا حديثاً مختصراً.
بعد عامين تماماً، في سبتمبر 2014 حلَّت الكارثة، دخل الحوثيون صنعاء، وغاصت السيارة أكثر في بحر من الرمال والدم، ويومها استبدت بي حالة من الغضب، لم أعهدها من قبل، وهاجمت الرئيس هادي، صابّاً فوق رأسه كل غضب اليمنيين ومراراتهم، لأنه كان رئيس البلاد، وهو من يتحمل المسؤولية الرئيسية، رغم وجود آخرين، كان لهم نصيب وافر، في إدخال الحوثيين صنعاء، ضمن سياسة المكايدات التي أوصلت الحوثي في 2015 إلى سواحل عدن.
في فبراير 2017 طلبت مني رئيسة تحرير القدس العربي التي انتقلت للعمل فيها في 2013، طلبت مني إجراء حوار مع الرئيس هادي، قلت: مستحيل أن يقبل هادي مقابلتي، ثم إني لن أجرؤ على طلب لقائه، بعد هجومي عليه.
ألحت رئيسة التحرير، فأرسلت طلباً لسكرتيره الخاص، الأخ محمد هادي، أطلب اللقاء، وأنا غير واثق من تلبية الطلب.
بعدها بأيام جاء الرد بالموافقة، وأنا غير مصدق.
كان هادي حينها قد خرج من اليمن إلى السعودية، فحزمت أمتعتي وسافرت إلى الرياض.
دخلت عليه في مقر إقامته، وأنا أشعر بكثير من الخجل، بسبب كتاباتي ضده.
بعد العبارات المعتادة عند اللقاء، قلت للرئيس إن كتاباتي لم تكن ناتجة عن غرض، أو سوء نية، أو مدفوعة من طرف ما، ولكنها كانت بسبب الحرقة عليه وعلى البلاد.
ثم أسهبت في شرح موقفي.
قال الرئيس: أنتم (الكُتاب) تنظرون من هذه، وضم إصبعه السبابة والإبهام، ولكنني أنظر من هذه، ورسم دائرة واسعة في الهواء، بكلتا يديه.
قلت في نفسي، بغض النظر عن اختلاف زاويا النظر، يبدو أن الرئيس وجد لي عذراً، فارتحت لذلك الشعور، ودخلنا في الحوار.
كان هادي ليلتها يتكلم بعفوية وتدفق.
وتحدثنا في قضايا كثيرة، ضمن حوار نشر حينها في القدس العربي، في فبراير 2017.
سرد هادي ذكريات كثيرة عنه، وعن الرؤساء السابقين: علي ناصر محمد، وسالم ربيع علي، وعبد الفتاح إسماعيل، وعلي عبدالله صالح، وعن السوفييت والأمريكيين، وغيرهم.
كان هادي يتمتع بقدرة سرد واسعة.
أدهشني سرده، فقلت له: لم لا تدون مذكراتك؟ قال: لا أرغب.
قلت: لماذا؟ قال: «إذا قلت الحقيقة، فسيتضرر بعض من لا يزالون على قيد الحياة، ولا يليق أن أقول غير الحقيقة.
المذكرات ليس هذا وقتها، لأني أريد أن أغلق ملفات الحاضر، لا أن أفتح ملفات الماضي، أنا أريد يمناً جديداً.
»بعد شهور، وفي سبتمبر 2017 أجريت حواراً آخر مع الرئيس هادي في الرياض لصالح صحيفة القدس العربي.
تحدثنا مطولاً عن الحوثي وانقلابه، ومما قال هادي حينها إن»مشكلتنا مع الحوثي تتمثل في أنه يرى أن معه أمراً من الله وأنه مكلف بالحكم وأن السلطة من حقه، وهنا كيف تتفاهم ـ سياسياً ـ مع رجل يرى أنه مكلف من الله، ثم المشكلة الأخرى تتمثل في امتثال الحوثيين للأوامر الإيرانية.
»رحل الرئيس هادي الذي تولى السلطة في اليمن، في ظروف استثنائية.
كثيرون ترحموا عليه، وكثيرون هاجموه، ولكن فترته تحتاج إلى قراءة أشمل وأعمق، لكثرة ما فيها من العبر والدروس والحروب والمرارات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك