فقد الإعلام العربي الجزء الأكبر من ديناميته الاستقلالية تاريخيا مع التحوّل الكبير الذي طرأ على الدولة العربية الوطنية الحديثة، إثر الانقلابات العسكرية المتلاحقة بعد الاستقلال في سوريا (1949)، ثم مصر (1952) فالعراق (1958) والسودان (1958) واليمن (1962) والجزائر (1965).
قدّمت الصيغة السياسية ـ المالية الخاصة للبنان، المجال لصحافته السياسية والثقافية لملء فراغ واسع، عبر صحفها ومجلاتها الصحافية المعروفة مثل «النهار» و»الأنوار» و»المحرر» و»السفير» و»الحوادث» و»الصيّاد» و»الأسبوع العربي» و»الدستور» وغيرها كثير، ومجلاتها الثقافية المؤثرة مثل «شعر» و»الآداب» و»حوار» و»مواقف»، فيما قدّمت دور النشر الكثيرة والمطابع اللبنانية العديدة (أو التي جاء أصحابها من بلدان عربية أخرى)، حيّزا استقلاليا وإبداعيا فكريا مهما لمنظومات الصحافة والثقافة والفكر العربية.
في هذه الرؤية لدور الإعلام في المشرق ومصر، لا يجوز تجاهل أدوار مهمة أيضا في دوائر جغرافية أخرى، مثل التجربة الكويتية، التي تميّزت فيها صحف كـ»القبس» ومجلة «العربي»، ونظائر ذلك كمجلات «نزوى» العمانية» و»الدوحة» القطرية و»الفيصل» السعودية و»البحرين» البحرينية، كما لا يصح تجاهل مشاريع ثقافية وإعلامية مهمة في شمال افريقيا والمغرب العربي، عكست – مع تمايزات ملموسة – الديناميتين اللتين ميزتا إعلام المشرق العربي (تحت السطوة العسكرية)، كما هو الحال في الجزائر؛ وحيّز المجتمعات تحت نظم ملكية، كحال التجربة المغربية التي قدّمت حيوية سياسية على شاكلة جريدة «الاتحاد الاشتراكي»، التي تمثّل الاتجاه اليساري، و»العلم» التي تمثل الاتجاه الاستقلالي المحافظ، وجرائد أخرى مثل «الأحداث المغربية» و»الصباح» و»الأخبار»، وتشترك دول شمال افريقيا المغاربية مع المثال اللبناني في وجود تجارب صحافية ناطقة بالفرنسية.
بعد العسكر: الشتات الثانيرغم الأثر السياسي الطاغي والمآلات المعطوبة لتلك الأنظمة، فلم تكن العهود العسكرية للإعلام والثقافة «ثقبا أسود» في الفكر العربيّ فقد كانت الصحف والمجلات، في العهدين الناصري والبعثي، في مصر وسوريا والعراق، على سبيل المثال، مراكز ثقافية مهمة عكست المرحلة بكل تناقضاتها.
لا يمكن، مثلا، لمؤرخ الثقافة والإعلام في المنطقة العربية تجاهل المجلات المتخصصة المصرية مثل «الطليعة» و»الكاتب» و»المسرح»، أو «المعرفة» في سوريا، و»أقلام» في العراق، ومشاريع مثل «مشروع الألف كتاب» وموجة الترجمات الكبيرة التي رافقتها.
مع نهاية ثمانينيات القرن الماضي، سنشهد بدايات مرحلة جديدة في الإعلام العربي.
نشأت هذه الحقبة من التقاء قوى عديدة، بدءا من تراجع منظومات الإعلام الخاضعة لسيطرة الدولة، وتوافر تقنيات الإنتاج الفضائي والرقمي، وصعود رأس المال الخليجي، وهجرة الصحافيين والمثقفين العرب إلى أوروبا، وتزايد الطلب العربي على الأخبار التي تتجاوز المساحات الوطنية.
أصبحت لندن، خلال هذه الحقبة، عاصمة خارجية للصحافة العربية.
وفّر النظام البريطاني الحماية القانونية، والبنية التحتية للنشر، وشبكات الطباعة والتوزيع، والوصول غير المقيد لوكالات الأنباء العالمية.
جرى كل ذلك بالتزامن مع نشوء جاليات كبيرة تضم سياسيين ومثقفين عربا.
تمكنت صحف تأسست في بريطانيا، مثل «الشرق الأوسط»، و»العرب»، و»القدس العربي» و»العربي الجديد»، و»الحياة» التي أعيد إحياؤها، من الوصول إلى القراء العرب عبر الحدود المعقدة والمتشابكة، متجنبة، ولو جزئيا، أنظمة الرقابة في المنطقة العربية، ورغم اعتمادها على رأس المال السياسي، ولاسيما أموال الخليج العربي، ووجود توجهات سياسية متناسبة مع هذا التمويل، لكنها خلقت حوارا عربيا واسع النطاق بشكل لم يكن معهودا من قبل، وتجاوز النطاق الذي كان متوفرا في أي من العواصم العربية.
«الجزيرة» تغيّر قواعد اللعبةتزامن ذلك مع ظهور القنوات الفضائية التي غيّرت سرعة ووصول وقوة التأثير العاطفي لوسائل الإعلام العربية، وكشفت حرب الخليج 1990-1991 الأهمية السياسية للتلفزيون والأخبار والآراء والبرامج التي تبث في الوقت الحقيقي.
أسهمت قناة «إم بي سي» التي انطلقت من لندن عام 1991 بتمويل سعودي في تأسيس نموذج بث خاص عمومي عربي، أما قناة «الجزيرة»، التي انطلقت من قطر عام 1996، فغيّرت ديناميّات المشهد الإعلامي العربيّ، فللمرة الأولى ظهرت أصوات معارضة مباشرة للأنظمة، وقدّمت نقاشات جدلية للمشاهدين، بأسلوب إخباري تحدى المنظومة السياسية والثقافية العربية القائمة على البيانات الرسمية والتبجيل وبتملق المسؤولين.
لم تكن المحصّلة فضاء إعلاميا عربيا حرّا بالكامل، بل مجالا عابرا للحدود تتنافس فيه الحكومات وحركات المعارضة ونخب رجال الأعمال والساسة والمثقفون المنفيون، من أجل صياغة الرأي العام.
كانت هذه الثورة الإعلامية قابلة للحياة بفضل التناقضات السياسية العربية، ففي حين كانت الحكومات العربية تقيد صحافاتها المحلية، وجدت بعض هذه الدول، أو الأسر الحاكمة جدوى في تمويل وسائل إعلام في الخارج للحصول على رافعة للقوة الناعمة يمكن استخدامها في صراعات النفوذ الإقليمي.
ساهمت ثروة الخليج، والمواهب الصحافية العربية، والبنية التحتية البريطانية، والقوة الرمزية للغة العربية، في خلق سوق إعلامي عربي جديد، أصبحت فيه الصحف والقنوات التلفزيونية أدوات للهيبة والدبلوماسية والقوة الناعمة والتنافس الأيديولوجي.
«الحياة»: انهيار النموذج؟مع حلول العقد الأول من القرن 21، وخصوصا بعد الانتفاضات العربية عام 2011، شهد هذا النموذج تطورين مهمين، الأول هو قرار نقل جلّ مؤسسات الشتات إلى الخليج وذلك بعد أن طورت الدوحة والرياض وأبو ظبي ودبي مدنا إعلامية، ومناطق إنتاج وقنوات إخبارية ومنصات رقمية ومجموعات إعلامية؛ والثاني هو ازدياد دور التلفزيون الفضائي وعلى المواقع الإلكترونية وظهور وسائل التواصل الاجتماعي، ثم الهواتف الذكية، ما أدى إلى تراجع أهمية الصحيفة المطبوعة باعتبارها المنصة المركزية للنقاش السياسي العربي، وبالنتيجة فقد النموذج القديم المتمركز في لندن جزءا من ميزاته، وصارت دول الخليج أكثر ثقة بمؤسساتها الإعلامية وبقدرتها على التحكم فيها.
تجسّد صحيفة «الحياة» صعود تلك الحقبة وانهيارها معا.
أصبحت «الحياة» من أكثر الصحف تأثيرا في التسعينيات، واشتهرت بصفحات الرأي القوية، والتحرير الاحترافي، وتعاملها مع شبكة واسعة من الكتاب العرب.
كان ذلك نموذجا من عالم الصحافة العالمية المرموقة المكلف، الذي يعتمد على المكاتب الخارجية والمراسلين الكثر، والطبعات الكبيرة، وكتاب الأعمدة من النخب العربية، والتوزيع عبر الأقمار الصناعية، لكن هذا النموذج لقي خاتمته المفاجئة حين انسحب التمويل السياسي، ولم تنفع معه محاولات التبيؤ عبر الانتقال الجغرافي والتخفيضات فشكل إغلاقها في عام 2020 نهاية لتلك التجربة.
بعد التحدّي الكبير الذي واجهته وسائل الإعلام المطبوعة من التلفزيون الفضائي والإنترنت، تواجه وسائل الإعلام العربي المطبوعة تحديا تاريخيا جديدا مع امتصاص وسائل التواصل الاجتماعي للكثير من مهام الإعلام القديمة، وظهور الذكاء الصُنعي، وانهيار اقتصاديات النشر والطباعة.
لم تعد الصحف تتنافس مع القنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية فحسب، بل كذلك مع المؤثرين وفيسبوك وإكس وقنوات يوتيوب وتلغرام وتيك توك والبودكاست والملخصات التي تولّدها منصّات «تشات جي بي تي» و»كلود» و»بيربليكسيتي» و»ديب سيك» ومحرّكات البحث التي تجيب على أسئلة القراء قبل أن يصلوا إلى موقع الصحيفة الإلكتروني.
بعد تحديات سيطرة العسكر، ورقابات الأنظمة، وتقلّبات التمويل، انتقل التحدي ليشمل السرعة والتحقق وشفافية حقوق الملكية وتراجع قدرة الصحافة المهنية في اقتصاد الاهتمام، الذي يكافئ العاطفة الفورية، والانحيازات المعرفية، والاستقطابات الحادة.
كاتب من أسرة «القدس العربي».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك