تقف تركيا على أعتاب مرحلة انتخابية جديدة، حيث تشهد أنقرة في الآونة الأخيرة نقاشات متزايدة حول إمكانية إجراء انتخابات مفاجئة.
وتُطرح في هذا السياق شائعات تفيد بأن الانتخابات العامة المقررة في الظروف العادية خلال مايو/أيار 2028، قد يتم تقديم موعدها إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2026 في حال اتخاذ قرار بإجراء انتخابات مبكرة مفاجئة.
ولا يقتصر جدول الأعمال السياسي على ملف الانتخابات فحسب، بل يمتد ليشمل أيضا مساعي إعداد دستور جديد، يُتوقع تطبيقه بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي.
شهدت تركيا خلال العشرين عاما الماضية خطوات مهمة في مجالات متعددة من الصناعات الدفاعية إلى النقل، ومن الطاقة إلى السياسة الخارجية، هناك قناعة واسعة بأن بعض أحكام الدستور الحالي لم تعد قادرة على تلبية احتياجات العصر.
لذلك تُعدّ نقاشات الدستور الجديد أحد أهم العناوين السياسية في المرحلة المقبلة.
من جهة أخرى، يواجه حزب الشعب الجمهوري (CHP)، أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، واحدة من أخطر أزماته الداخلية في تاريخه، فقد تحولت نقاشات المؤتمرات، وادعاءات المخالفات، واتهامات الفساد، والانقسامات الداخلية إلى ما هو أبعد من مجرد تنافس داخلي.
في الدعوى القضائية التي ينظر لها في أنقرة، ما جعل قرار «البطلان المطلق مع التدابير الاحترازية» المؤتمر العام الثامن والثلاثين لحزب الشعب الجمهوري موضع جدل قانوني.
ووفقا لقرار المحكمة، فإن صحة القرارات والانتخابات التي جرت في المؤتمر أصبحت خاضعة للرقابة القضائية، مع الحكم باستمرار عمل الرئيس السابق كمال كليجدار أوغلو والإدارة السابقة في مناصبهم.
تركيا تستعد لمرحلة تحول شاملة تمتد من التغيير الدستوري إلى الانطلاقة الاقتصادية، ومن الجغرافيا السياسية الإقليمية إلى توازنات سياسية جديدةيُذكر أن أوزغور أوزيل كان قد انتُخب رئيسا عاما لحزب الشعب الجمهوري في المؤتمر الذي عُقد بين 4 و5 نوفمبر 2023، بعد أن هزم كمال كليجدار أوغلو.
غير أن الجدل الذي أعقب المؤتمر، لم يُحسم بشكل كامل في أي وقت.
كما أن الدعاوى القضائية التي رفعها رئيس بلدية هاتاي الكبرى السابق لطفي سافاش وبعض المندوبين عمّقت الانقسام داخل الحزب.
وأدى فتح تحقيق من قبل النيابة العامة في أنقرة بشأن القضية إلى توسيع نطاق الأزمة.
في الكواليس السياسية، تُطرح الآن سيناريوهات أكثر إثارة، فوفق بعض الادعاءات، يدرس مقربون من أكرم إمام أوغلو وأوزغور أوزيل إمكانية إنشاء كيان سياسي جديد خارج إطار حزب الشعب الجمهوري.
وهذه السيناريوهات التي يُشار إليها أحيانا في الرأي العام باسم «حزب أكيم (Ekim)» أو أسماء مختلفة أخرى، لم يتضح بعد مدى دقتها أو صحتها.
إلا أن التوتر وعدم اليقين داخل حزب الشعب الجمهوري يُبقيان هذه الادعاءات حاضرة في النقاش العام.
وبالتوازي مع هذه التطورات الداخلية، تتصدر السياسة الخارجية أيضا عناوين مهمة في أجندة تركيا.
إذ يُتوقع أن تستضيف أنقرة في يوليو/تموز المقبل قمة الناتو، كما أن إدراج التشريع المعروف شعبيا باسم «قانون الوطن الأزرق» والمتعلق بتنظيم مناطق الصلاحية البحرية على جدول أعمال البرلمان التركي، يُنظر إليه على أنه بداية مرحلة جديدة، خصوصا في منطقتي بحر إيجه وشرق المتوسط.
ويشار إلى أن هذا التنظيم القانوني من شأنه أن يمكّن تركيا من اتخاذ خطوات أقوى وأكثر شمولا في ما يتعلق بمناطق سيادتها البحرية، في حين تتم متابعة تأثيراته على التوازنات الإقليمية عن كثب.
وبعبارة موجزة، تدخل تركيا من جهة أجواء الانتخابات، ومن جهة أخرى تستعد لمرحلة جديدة تشمل ملف الدستور الجديد والتحول الاقتصادي والسياسة الخارجية.
ويتوقع أن «تحالف الجمهور» بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان يهدف، بدعم من حزب «ديم» وبعض الأحزاب الصغيرة، إلى توسيع قاعدته الاجتماعية والخروج بنتيجة قوية من الانتخابات.
كما تسعى الحكومة لنقل تركيا إلى مرحلة جديدة عبر إصلاحات شاملة، وفي مقدمتها الدستور الجديد، بعد الانتخابات.
أما في الاقتصاد، فقد شهدت الأشهر الأخيرة حراكا ملحوظا، حيث يُقال إن اهتمام عدد كبير من المستثمرين من الغرب وآسيا بالسوق التركية قد ازداد، مع تقييم فرص استثمار جديدة في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والطاقة واللوجستيات.
وخلاصة القول، إن تركيا تستعد في المرحلة المقبلة، ليس فقط لمنافسة انتخابية، بل أيضا لمرحلة تحول شاملة تمتد من التغيير الدستوري إلى الانطلاقة الاقتصادية، ومن الجغرافيا السياسية الإقليمية إلى توازنات سياسية جديدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك