تتجه الجزائر نحو انتخابات تشريعية جديدة يوم 2 جويلية 2026، في ظرف سياسي وطني وإقليمي ودولي بالغ الحساسية، يتميز بتحولات عميقة، وتحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، واحتقان سياسي صامت، يقابله تراجع واضح لمنسوب الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية.
وفي هذا السياق، يطرح السؤال الجوهري نفسه بإلحاح:هل ستكون هذه الانتخابات فرصة حقيقية لإعادة بعث الحياة السياسية، وتجديد الشرعية الشعبية، وفتح المجال أمام التنافس الديمقراطي الحر؟أم أنها ستتحول مرة أخرى إلى محطة شكلية تعيد إنتاج نفس الاختلالات والأزمات التي تعاني منها البلاد منذ سنوات؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون تقنية أو إجرائية فقط، بل هي قبل كل شيء سياسية بامتياز، لأنها ترتبط بطبيعة النظام السياسي، وبمدى وجود إرادة حقيقية لإرساء تعددية فعلية تسمح للمواطن بأن يشعر أن صوته له قيمة، وأن الانتخابات ليست مجرد آلية لتوزيع المقاعد، بل وسيلة للتغيير والتداول والمحاسبة.
لقد عبّر جيل جديد، في مختلف بياناته الرسمية، عن قلقه العميق إزاء ما يشهده المشهد السياسي الوطني من انكماش متزايد للفضاء العمومي، وتراجع للنقاش الحر، وضعف فعلي في شروط التنافس السياسي والإعلامي، وهي عوامل من شأنها أن تُفرغ أي استحقاق انتخابي من معناه الديمقراطي الحقيقي.
كما أكد الحزب أن الإصلاحات السياسية والقانونية الأخيرة تمت في غياب مقاربة تشاركية حقيقية تشمل مختلف الفاعلين السياسيين، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام مبدأ التعددية السياسية والمساواة بين الأحزاب.
ومع ذلك، فإن قرار جيل جديد بالمشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة لم يكن قرارًا ظرفيًا أو تكتيكيًا، بل جاء انطلاقًا من قناعة سياسية واضحة مفادها أن ترك الساحة فارغة أخطر من المشاركة، وأن الدفاع عن التعددية لا يكون بالمقاطعة الدائمة، بل بالحضور السياسي والنضال الديمقراطي السلمي داخل المجتمع ومؤسساته.
إننا لا نشارك لتزكية الوضع القائم، ولا لنمنح شرعية شكلية لمسار يعاني من اختلالات عميقة، بل نشارك لأننا نؤمن بأن الجزائر بحاجة إلى أصوات سياسية مستقلة، وإلى قوى ديمقراطية وطنية قادرة على حمل انشغالات المواطنين الحقيقية، والدفاع عن دولة القانون، والحريات، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المتوازنة.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن نسب المشاركة الضعيفة، والعزوف الشعبي المتزايد، ليست مجرد مشكلة تقنية مرتبطة بالتنظيم الانتخابي، بل هي تعبير سياسي عن أزمة ثقة عميقة بين المواطن والطبقة السياسية والمؤسسات.
ولا يمكن معالجة هذه الأزمة بخطابات ظرفية أو بحملات دعائية، وإنما من خلال فتح المجال السياسي فعليًا، واحترام الرأي المخالف، وضمان استقلالية الإعلام، وتكريس الشفافية، ومحاربة المال الفاسد والزبونية السياسية.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة ليس وجود معارضة قوية، بل وجود مواطن فقد الثقة في السياسة نفسها، ولم يعد يرى جدوى من المشاركة أو النقاش أو التصويت.
حينها تصبح المؤسسات فاقدة للحيوية، وتتحول الانتخابات إلى مجرد إجراء إداري بلا روح سياسية.
ومن هذا المنطلق، فإن الانتخابات المقبلة يجب أن تكون مناسبة لإطلاق ديناميكية وطنية جديدة تعيد الاعتبار للعمل السياسي النبيل، وتفتح الباب أمام بروز نخب جديدة، وكفاءات شابة، ومشاريع مجتمعية حقيقية، بدل الاستمرار في إعادة تدوير نفس الممارسات ونفس الخطابات التي أوصلتنا إلى حالة الجمود الحالية.
إن الجزائر تملك كل الإمكانيات البشرية والطبيعية والتاريخية لتكون دولة قوية ومتقدمة وديمقراطية، لكن ذلك يتطلب قبل كل شيء إرادة سياسية حقيقية تؤمن بأن الاستقرار الدائم لا يُبنى على الانغلاق، بل على الثقة والمشاركة والحرية والعدالة.
وفي هذا الإطار، يدعو جيل جديد إلى جعل تشريعيات 2 جويلية 2026 محطة سياسية حقيقية، لا مجرد موعد انتخابي عابر، من خلال توفير كل شروط النزاهة والشفافية، وضمان تكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين السياسيين، وفتح المجال الإعلامي العمومي أمام مختلف الآراء، واحترام حق المواطن في الاختيار الحر.
كما نؤكد أن مستقبل الجزائر لا يمكن أن يُبنى بمنطق الإقصاء أو الاحتكار أو التخويف، وإنما بالحوار الوطني الجاد، وبالتنافس الديمقراطي الشريف، وبإشراك كل الكفاءات الوطنية المؤمنة بالدولة الجزائرية وبالعمل السلمي والمؤسساتي.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط من سيفوز بعدد أكبر من المقاعد، بل كيف يمكن إعادة الأمل للمواطن الجزائري، وإقناعه بأن السياسة يمكن أن تكون أداة للبناء لا وسيلة للإحباط.
وذلك هو جوهر المعركة الديمقراطية التي نخوضها.
لا يعبّر هذا المقال عن رأي أو موقف أوراس، تم كتابة المقال ضمن قائمة المقالات السياسية التي يكتبها رؤساء الأحزاب في موقع أوراس للدفاع عن برامجهم السياسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك