مرّت الكتابة بصفتها وعاء للمعرفة بعصور ذهبية كان التنافس فيها شريفا وأنتج عمقا وفلسفة مقنعة للبشرية احترمتها وقدّرت قيمتها ورفعت من شأنها.
ومع تزاحم الكتّاب والمؤلفين ووفرة القرّاء أصبحت بعض الكتابات مبتذلة وطغا عليها التكرار في الشكل والمضمون، فمد التقدم العلمي يد العون باختراع الآلة الطابعة والحواسيب، فتجدد على إثر ذلك عصر الكتابة واتسعت الرقعة الجغرافية للنشر والتوزيع، وتسابقت دور النشر لتلقف كل جديد، وعمّت المعرفة وأصبح الكتاب بمتناول اليد في كلّ وقت كمصدر للمعلومة الموثّقة بكامل تفاصيلها سواء الثقافي منه أو المدرسي.
اضافة اعلانإلى أن جاءت الثورة الصناعية الرابعة رافعة شعار الذكاء الاصطناعي من خلال شبكة الانترنت وتفاءل المثقفون خيرا، وكان من المتوقع أن يرتقي الذوق العام للمجتمع وتعم المعرفة الحقيقية، ولكن الواقع لم يبشّر بخير، وبين ليلة وضحاها تنوّع شكل المعرفة ليتناسب مع جمهور القرّاء متنوع الثقافات ومتعدد الميول، حيث أصبحت النصوص مسطحة خاوية من العمق بمعنى تمّ اختصار النصوص ليتناسب مع حجم الشاشات وذوق القارئ الذي أصبح في عجلة من أمره يتقلب بين ألوان النصوص المختلفة بضغطة زر باحثا عن تبسيط مفرط للمفاهيم والمصطلحات المعقّدة.
وتم اختزال الكتابة بعرض فيديو سريع لا يستقر من محتواه في الذاكرة الطويلة شيئا منسلخا عن واقعه الحقيقي فتغوّل الخطاب الانشائي التوليدي وأصبحت صورة المشهد الكتابي الضحل مليئة بالتكرار والحشو والتقليد استخفافا بعقول مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، حتى أصبح تسطيح المعرفة وتجزئة المجزأ هي الصورة الطاغية في المجالات كلها الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وكأن هذا الواقع هو الأصل والمعرفة الحقيقية هي الفرع، وتشوّهت حقيقة المعرفة وتفرّغت من محتواها، وأصبحت المعرفة سلعة دون رؤية أو رسالة، بواقع مأزوم بسبب سطوة المعايير السائدة، وليس العيب في المعرفة بل بمن تصدّر الموقف على منصات التواصل الاجتماعي مما أدى إلى تدهور معرفي وفكري ناتج عن الإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي السطحي غير المحفز للعقل نتج عنه مصطلح تعفّن الدماغ، وذلك بسبب إدمان وسائل التواصل الاجتماعي على حساب الكتاب المطبوع ووسائل الإعلام التقليدية بحجة أن الشبكة العنكبوتية هي منتجة المعرفة والحارس لها بفائض معرفي هش يتعدى حدود المعقول.
فأصبحت المعلومة -بغض النظر عن صحتها- تبلغ الآفاق بثواني معدودة، ويتم تداولها على أنها حقيقة مطلقة، كان ذلك من إفرازات الثورة الصناعية الرابعة حيث إن أحد شعاراتها المعلنة: « مجتمع بلا أوراق» بمعنى أن يذهب الطلبة إلى مدارسهم بجهاز محمول دون كتب أو دفاتر، ويتسوّق الفرد ببطاقة مدفوعة دون استخدام الأوراق النقدية، ويقرأ الجريدة اليومية من الحاسوب أو الجوال المحمول دون شراء جريدة ورقية.
كل ذلك انعكاس لهذا التطور السريع، وركب كثيرون هذه الموجة وتجاوزوا حدود المعرفة بقصد أو دون قصد بسبب تسليعها واستثمار عوائدها، وطفت على السطح ثقافة هجينة تبحث عن الغرائبيات والمهجور والقشور خالية من النقد والتحليل لحصد الإعجابات بإغراء رقمي يحاصر وعي المتابع المتلقي السلبي ويشدّه بعنف للمشهد اللاحق بمتعة فورية وتكلفة ذهنية صفرية، وتمّ تطبيق مقولة: « خطأ مشهور خير من صحيح مهجور» ترتب من خلالها نخر الذائقة الثقافية لأفراد المجتمع، ومن خلف الكواليس من يحصد ثمن ذلك التجهيل من جيوب الباحثين عن الهروب من الواقع.
يقول الكاتب الروسي (ليو تولستوي): يجب علينا دائما أن نقدّر رأي الأغبياء؛ لأنهم الأغلبية، وأجاب المفكر الأميركي (تشومسكي) عندما سئل عن تأثير الإعلام نفسيا، فأجاب: هناك عشرة استراتيجيات يسلكها الإعلام الموجّه للأفراد والمجتمعات من أجل إحداث تأثيرات نفسية وفكرية على الجمهور الأعظم المتابع لتلك الوسائل، من ضمنها تسطيح العقول.
وتكمن خطورة هذا الوضع على الأطفال في سن الدراسة حيث انحسرت لديهم دوافع القراءة والكتابة، وأعاقت نموها وحلّت محلها مهارات استخدام الحواسيب التي لا تتطلب مجهودا عقليا مقارنة بتلك المهارات التي تعتمد على عمليات معرفية وفهم للمعاني ومضامين النصوص والعلاقات والجلسة السليمة للكتابة والتآزر العقلي العضلي، وحرمان الطفل من اللعب سواء الحر أو الموجه الفردي أو الجماعي والأداء الحركي بشكل عام والذي له دور كبير قي النمو المعرفي والمهاري والانفعالي، مستسلما للمؤثرات الصوتية والصورية لشاشة الحاسوب التي تعمل على تخدير انتباهه لما يدور حوله بحريّة شخصيّة مطلقة، ولا يوجد في حياته وقت للملل والذي يعد محفزا لمهارات التفكير العليا فلا وقت لديه للخيال أو التفكير خارج تلك الشاشة فهي تعمل بالإنابة عنه بمحتوى جاهز.
الشباب هم أغلب روّاد مواقع التواصل الاجتماعي وهم عماد المجتمعات ومستقبلها، وهم بحاجة إلى من يقدّم لهم المعرفة بلباس حديث كبديل عن الكتاب التقليدي بمضمون مشوّق جذّاب يتناسب مع أذواقهم وواقع مجتمعهم المعاش وتعريفهم بمخاطر تسطيح المعرفة من منطلق العالمية والتعددية بمبررات واهية ترقى إلى مستوى الجريمة، بتقليد أعمى للمستوى الثقافي والأخلاقي الغربي، حيث تاهت الهوية الثقافية لدى شبابنا وزاد الأمر تعقيدا بأنهم جيل عاش في ظل الحروب والاضطرابات والفتن، ويبحثون عن متنفس ينسيهم ولو جزئيا هذا الواقع فتوفّر لهم ما يريدون في خضم طوفان الانترنت الجارف فوجدوا ضالتهم بوسائل التواصل الاجتماعي التي ترضي كافة الأذواق وتشبع غرور بحثهم من هوايات وميول متعددة، قادرة على غسل أدمغتهم وتشويه الجانب المعرفي.
إلى متى سيستمر تسطيح المعرفة؟سيستمر تسطيح المعرفة مادام الإعلام الموجه يأتينا من الخارج، ولا يمكن السيطرة عليه بأي شكل من الأشكال إلا من خلال إغلاق بعض المواقع التي لا تشبه بيئتنا، ويقول المنطق: يجب إغلاق النافذة قبل أن تعيد ترتيب الأوراق التي بعثرتها الرياح، فتسطحت المعرفة وتسطحت بتبعياتها العقول.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك