عندما ينطلق مهرجان فيلم المرأة في عمّان بدورته الرابعة عشرة في السابع من حزيران (يونيو) الحالي، فإنه لا يقدم مجرد برنامج سينمائي يضم 19 فيلماً من أنحاء العالم، بل يطرح خريطة واسعة للتحديات التي تواجه النساء اليوم، من العنف الأسري والتمييز القانوني والتحرش والعنف الرقمي، إلى قضايا الذاكرة والهوية والحروب واللجوء والصمود.
وتكشف البرمجة هذا العام أن القضايا التي انطلق المهرجان لمناقشتها قبل أكثر من عقد ما تزال حاضرة بقوة، وإن اكتسبت أبعاداً جديدة بفعل التحولات السياسية والحروب التي شهدتها المنطقة والعالم.
فبين أفلام تتناول النساء في مواجهة الأنظمة القانونية والاجتماعية، وأخرى تحتفي بالقيادة النسائية والإنجاز، تبدو الدورة الحالية أقرب إلى قراءة عالمية في واقع النساء المعاصرات.
وترى المديرة الفنية للمهرجان غادة سابا أن المهرجان نجح خلال 14 عاماً في خلق مساحة مستمرة للأفلام التي تتناول قضايا النساء، مشيرة إلى أن الجمهور بات ينتظر هذه التظاهرة سنوياً ويتابع برامجها، وهو ما ظهر بوضوح هذا العام بعد تأجيل الدورة، حين تزايدت التساؤلات حول موعد انطلاقها والأفلام المشاركة فيها.
من أسبوع أفلام إلى مهرجانتشكل هذه الدورة العام الثاني للمهرجان بصيغته الجديدة، بعد تحوله من" أسبوع أفلام المرأة" إلى" مهرجان فيلم المرأة".
وتوضح سابا أن الهدف من هذا التحول كان الانتقال من مجرد أسبوع عروض إلى حدث أكثر رسوخاً واستمرارية، قادر على استقطاب أفلام مستقلة ونوعية وجمهور أوسع ضمن إطار ثقافي أكثر استقراراً.
وخلال سنواته الماضية، نجح المهرجان في ترسيخ حضوره كإحدى أبرز الفعاليات السينمائية المتخصصة في الأردن، مقدماً أفلاماً قد لا تجد طريقها إلى دور العرض التجارية، ومتيحاً للجمهور فرصة التعرف إلى تجارب نسائية من ثقافات مختلفة.
أما على مستوى الفعاليات الموازية، فتتضمن الدورة الحالية حلقتي نقاش بعد عرض الفيلم الوثائقي" السيدة روبنسون" للمخرجة الإيرلندية إيفة كيليهر، وفيلم" ردود فعل عنيفة: كراهية النساء في العصر الرقمي" للمخرجتين الكنديتين ليا كليرمون ديونو وغيلين ماروا، في محاولة لربط الأفلام بالنقاشات الاجتماعية والحقوقية التي تثيرها.
وتؤكد سابا أن التحدي الأكبر ما يزال يتمثل في التمويل واستدامة العمل، وهو ما يفرض التركيز على استمرارية المهرجان وتطويره تدريجياً، قبل التوسع في برامج أكثر كلفة، مثل ورش العمل الاحترافية أو منصات تطوير المشاريع.
-" أنا نيفينكا".
مواجهة السلطة: يعد فيلم" أنا نيفينكا" للمخرجة الإسبانية إيثيار بولاين من أبرز أفلام الدورة وأكثرها أهمية.
يستعيد العمل قصة نيفينكا فرنانديز التي أصبحت أول امرأة تنجح في إدانة مسؤول سياسي بتهمة التحرش الجنسي في إسبانيا.
تكمن قوة الفيلم في كشفه الطريقة التي تتحول فيها الضحية إلى متهمة، حيث تجد نيفينكا نفسها في مواجهة الإعلام والمجتمع والرأي العام، لا المتحرش وحده.
وهو عمل يتجاوز حدود القصة الشخصية ليصبح قراءة في علاقة النساء بالسلطة وآليات الصمت والخوف.
-" ردود فعل عنيفة: كراهية النساء في العصر الرقمي": في واحد من أكثر أفلام الدورة راهنية، تتناول المخرجتان الكنديتان ليا كليرمون ديونو وغيلين ماروا أشكال العنف الجديدة التي تواجه النساء عبر الإنترنت.
يوثق الفيلم قصص أربع نساء تعرضن لحملات تشهير وتهديد وإساءة رقمية، ليكشف أن التكنولوجيا لم تُنهِ التمييز ضد النساء، بل وفرت له فضاءات جديدة وأكثر انتشاراً.
ويكتسب العمل أهمية خاصة في زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية جزءاً أساسياً من الحياة العامة.
-" شكراً لأنك تحلم معنا": تقدم المخرجة الفلسطينية ليلى عباس في فيلمها الروائي" شكراً لأنك تحلم معنا" معالجة ذكية لقضايا الإرث وعدم المساواة القانونية.
بعد وفاة الأب، تجد شقيقتان نفسيهما مضطرتين لخوض معركة مع النظام القانوني والاجتماعي للحصول على حقهما في الميراث.
ومن خلال مزيج من الدراما والكوميديا السوداء، يطرح الفيلم أسئلة عميقة حول العدالة وحقوق النساء داخل الأسرة.
-" نورة تحلم": يأتي الفيلم التونسي" نورة تحلم" للمخرجة هند بوجمعة كأحد أبرز الأعمال العربية التي ناقشت العنف الأسري والقيود الاجتماعية المفروضة على النساء.
لا يقدم الفيلم العنف باعتباره حادثة فردية، بل يربطه بمنظومة اجتماعية وقانونية تجعل الخروج من العلاقة المؤذية مهمة شاقة.
ومن خلال شخصية نورة، يرسم صورة لامرأة تبحث عن حقها في حياة مختلفة رغم كل القيود.
-" لِمعلّقات": في الوثائقي" لِمعلّقات"، تتبع المخرجة المغربية ميريام عبدو قصص نساء مغربيات يواجهن صعوبات قانونية واجتماعية للحصول على الطلاق.
الفيلم يكشف كيف يمكن للإجراءات القانونية المعقدة أن تتحول إلى شكل من أشكال العنف، ويقدم صورة مؤلمة لنساء عالقات بين القانون والتقاليد والانتظار الطويل.
بعيداً عن أفلام المعاناة، تضم الدورة أعمالاً تحتفي بالنساء اللواتي تركن أثراً في السياسة والرياضة والثقافة.
في فيلم" السيدة روبنسون"، تقدم المخرجة إيفة كيليهر سيرة ماري روبنسون؛ أول رئيسة لإيرلندا وأحد أبرز الأصوات المدافعة عن حقوق الإنسان عالمياً.
لا يكتفي الفيلم باستعراض مسيرتها، بل يتأمل معنى القيادة النسائية ودورها في إحداث التغيير.
أما المخرج المكسيكي مانويل كانيبيه، فيعيد في فيلمه الوثائقي" على مقربة من الغيوم" الاعتبار للاعبات كرة القدم المكسيكيات اللواتي صنعن حدثاً تاريخياً في سبعينيات القرن الماضي، قبل أن يتم تجاهله في السرديات الرياضية الرسمية.
تخصص الدورة أيضاً مساحة للأفلام التي تتناول الذاكرة والانتماء والتجارب الإنسانية بعيداً عن الطرح السياسي المباشر.
ففي" مطعم النورس"، تروي المخرجة اليابانية ناوكو أوجيغامي حكاية امرأة تدير مطعماً صغيراً في هلسنكي، لتصنع فيلماً دافئاً عن الغربة والبحث عن الانتماء.
أما المخرج الكوري كيم جاي-هوان، فيقدم في" نادي الجدّات للشعر" قصة نساء تعلمن القراءة والكتابة في سن متأخرة، ليحول الفيلم فعل التعلم إلى فعل مقاومة واستعادة للهوية.
ومن أبرز الأفلام أيضاً" القرية المجاورة للجنة" للمخرج الصومالي مو هاراوي، الذي يقدم صورة إنسانية لعائلة تحاول النجاة وسط ظروف قاسية، بعيداً عن الصور النمطية السائدة عن أفريقيا والحروب والفقر.
وتحضر قضايا اللجوء والحرب في الفيلم الأردني القصير" غصن الزيتون" للمخرجين سام نت وشفيق العلبي، الذي يتابع رحلة فتاة سورية شابة تحاول إعالة أسرتها في عمّان بعد مرض والدها، فيما يقدم فيلم" أراكِ" للمخرجين نفسيهما قصة مراهقة تسعى إلى تحقيق حلمها الرياضي في مواجهة سلطة الأب والمجتمع.
تكشف برمجة الدورة الرابعة عشرة أن مهرجان فيلم المرأة لم يعد يقتصر على عرض أفلام عن النساء فقط، بل بات يقدم قراءات متعددة لعالم معقد تتقاطع فيه قضايا العدالة والهوية والذاكرة والحرب والسلطة.
ورغم أن غادة سابا ترى أن القضايا الأساسية التي تتناولها الأفلام لم تتغير كثيراً منذ انطلاق المهرجان، فإن الحروب الأخيرة في غزة والسودان واليمن جعلت معاناة النساء أكثر وضوحاً عالمياً، وأكدت أن النساء ما يزلن الطرف الأكثر تضرراً خلال الأزمات والصراعات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك