يبدو معرض" غزة… حيث الحياة تقاوم" المقام حالياً في متحف تيسن في مدريد، للوهلة الأولى بسيطاً من حيث التكوين: 10 بورتريهات فقط، وإلى جانب كل صورة غرض شخصي صغير.
لا يعتمد المعرض، إذاً، على صور الدمار المباشر أو مشاهد الخراب الثقيلة التي اعتاد العالم رؤيتها منذ بداية حرب الإبادة على غزة.
بدلاً من ذلك، يختار الاقتراب من التفاصيل الصغيرة التي بقيت عالقة في حياة الفلسطينيين: دفتر مدرسي، كرة قدم، سماعة طبيب، حذاء بلاستيكي، أو فتاة صغيرة.
هي أشياء عادية في أي مكان آخر، لكنها، في غزة، تحولت إلى ذاكرة شخصية وأدوات نجاة ومعنى للحياة اليومية.
تستقبل الطفلة قمر، بسنواتها الستّ، الزوار عند مدخل المعرض تقريباً.
تقف في الصورة وهي تضم دفترها المدرسي وقلم رصاص ومبراة صغيرة، كأنها تخشى أن تفقدها.
تبدو الأشياء الثلاثة بسيطة وعادية، لكنها تعني الكثير بالنسبة لطفلة فلسطينية تعيش وسط الحرب.
ربما هي أثمن ما تملك الآن.
تحت الصورة يقرأ الزوار شرحاً مقتضباً عن قمر التي تتابع دراستها في مدرسة تابعة للأونروا في غزة، وتقول إنّ الكتابة والتعلّم يساعدانها على الاستمرار رغم كل شيء.
يقف الفتى مؤيد، البالغ من العمر 12 عاماً، في إحدى الصور ممسكاً بكرته القديمة.
تشبّثه بها هو محاولة للتشبث بحياة طبيعية اختفت تقريباً من غزة.
أما الطفلة ملك، ذات السنوات السبع، فتظهر وهي تعرض النعلين اللذين هربت بهما خلال القصف والنزوح المتكرر، وكأنّ الحذاء نفسه تحول إلى شاهد على رحلة الهرب الطويلة.
الحاجة جميلة، اسم على مسمى، هي امرأة فلسطينية مسنة لا يستطع الزائر إلّا أن يقف عندها وينظر في عينيها المتعبتَين.
تحمل مشطاً ومرآة صغيرة.
لا يوجد في الصورة ما يوحي بالمأساة مباشرةً، غير أنّ التفاصيل تقول كل شيء.
حتى وسط النزوح والفقدان، ما يزال الإنسان يحاول الحفاظ على صورته وكرامته وبعض ملامح حياته اليومية.
بحسب وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، يعيش أكثر من 2.
1 مليون فلسطيني في غزة وسط أزمة إنسانية حادة بعد أكثر من عامين ونصف العام من حرب الإبادة، في ظل نقص الغذاء والماء والدواء واستمرار النزوح.
وفي هذا السياق تؤدي الوكالة دوراً أساسياً في تقديم الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية، اعتماداً بشكل كبير على موظفيها المحليين، الذين هم في الأصل لاجئون فلسطينيون يعيش كثير منهم ظروف النزوح نفسها.
هذا تحديداً ما تذكرنا به صورة سارة، العاملة الصحية في الأونروا، فتظهر في إحدى صور المعرض، وهي تحمل سماعتها الطبية بإصرار واضح.
في قطاع يعاني نقصاً حاداً في الدواء والرعاية الصحية، تبدو السماعة كأنها وسيلة مقاومة يومية للحفاظ على حياة الناس.
يضم" غزة… حيث الحياة تقاوم" أعمال مصور فلسطيني من غزة يعمل ضمن الفريق المحلي للأونروا، لكنه اختار عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية.
وتوضح إدارة المعرض أن هذا القرار يعكس طبيعة الظروف الخطيرة التي التُقطت فيها الصور، خصوصاً أن الصحافيين والمصورين في القطاع باتوا بدورهم أهدافاً مباشرة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
لا شك أن غيابه الحاضر يضيف طبقة أخرى من المعنى للمعرض، في كل تفصيل من التفاصيل: في حذاء ملك، أو كرة مؤيد أو في تجاعيد الحاج سليمان الذي رمى الزمن بثقله كله على أكتافه، لكنه مع ذلك لا يزال مبتسماً.
وقال منظمو" غزة… حيث الحياة تقاوم"، في حديث مع" العربي الجديد"، إن اختيار البهو الرئيسي لمتحف تيسن كان متعمّداً، إذ يمر عبره يومياً آلاف الزوار.
الهدف، بحسب المنظمين" هو إبقاء غزة حاضرة في الوعي العام، خصوصاً مع تراجع الاهتمام الإعلامي العالمي رغم استمرار الأزمة الإنسانية".
يستمر المعرض لغاية 14 يونيو/حزيران الجاري، وينظمه متحف تيسن بالتعاون مع وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" أونروا".
" غزة… حيث الحياة تقاوم" جزءٌ من برنامج" ثقافة حية من أجل فلسطين وأونروا" الذي أقيم في مايو/ أيار الماضي، وشهد عروض أفلام وحفلات موسيقية، ضمن مبادرة يقودها مكتب الوكالة الأممية لدعم فلسطين في المجال الثقافي والفني.
متحف تيسن أحد أهم المتاحف في إسبانيا رفقة متحفَي الملكة صوفيا والبرادو المجاورَين له في مدريد، وقد تحوّل منذ تأسيسه عام 1992 إلى واحدة من أبرز الوجهات لمحبي الفنون بفضل مجموعة كبيرة ومتنوّعة تفوق الألف عمل، من بينها لوحات لفنانين مثل بول غوغان وفينسنت فان غوخ وكلود مونيه وإدوارد هوبر وغيرهم.
وليست هذه المرة الأولى التي يستضيف فيها المتحف معرضاً فوتوغرافياً حول غزة بالتعاون مع أونروا؛ إذ احتضن في خريف عام 2025 معرضاً بعنوان" غزة بأعينهم"، والذي ضمّ 27 صورةً لمصوّرين صحافيين فلسطينيين وثّقوا واقع الحياة اليومية في القطاع بعد بدء حرب الإبادة الإسرائيلية في السابع من أكتوبر 2023.
وكما هو الحال مع المعرض الحالي، اختار المشاركون آنذاك عدم الكشف عن أسمائهم خوفاً من الانتقام الإسرائيلي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك