بواسطة (عبارة أطلقها مُحلِّلو سيتي بنك تعليقا على توجُّه الشركات الصناعية الكبرى في أوروبا نحو الصناعات الدفاعية)في مدينة أوسنابروك شمال غرب ألمانيا، حيث وُقِّعَت عام 1648 معاهدةُ وستفاليا التي أنهت 30 عاما من الحروب الدينية الأوروبية، ومنحت المدينة لقبا تحمله إلى اليوم هو" مدينة السلام" (بجانب مدينة مونستر التي شهدت توقيع جزء من المعاهدة أيضا)، يقع المصنع الذي تتفاوض حوله شركة فولكس فاغن الألمانية الشهيرة مع شركة رافائيل الإسرائيلية للصناعات العسكرية، ويعمل فيه نحو 2300 موظف، وكان من المقرر إغلاقه نهاية عام 2027 بعد توقف خط إنتاج السيارات الحالي.
تحت بنود الاتفاق المقترح، سيتحول المصنع إلى إنتاج مكونات منظومة القبة الحديدية، وشاحنات النقل الثقيلة، ومنصات الإطلاق، ومولدات الطاقة.
أما الصواريخ ذاتها فستنتج في موقع متخصص آخر تابع لشركة رافائيل داخل ألمانيا، فيما تكتفي فولكس فاغن بصناعة المنظومة المحيطة بالصاروخ، تلك التي تحوله من قطعة معدنية إلى سلاح قابل للنشر.
list 1 of 2لماذا تضحي أمريكا بالهند من أجل باكستان والصين؟list 2 of 2مؤامرة على ضفاف البوسفور.
من قتل السلطان العثماني عبد العزيز؟تنتج شركة فولكس فاغن بالفعل شاحنات عسكرية عبر شراكة تجمع شركتها الفرعية" مان" مع مجموعة الصناعات الدفاعية الألمانية راينميتال، غير أن التعاون المرتقب مع الشركة الإسرائيلية يمثل خطوة أوسع، تعيد الشركة الألمانية إلى مجال التسليح بعد عقود من الابتعاد، إذ سبق أن شاركت في أثناء الحرب العالمية الثانية في تصنيع مركبات عسكرية، إضافة إلى القنبلة الطائرة الشهيرة (أول صاروخ كروز)" في-1" (V-1) لصالح الجيش الألماني في زمن النازية.
" أغلقت فولكس فاغن نهاية عام 2025 مصنع درسدن لإنتاج السيارات، في أول إغلاق كامل لمصنع ألماني في تاريخ الشركة"السياق الذي تجري فيه هذه المفاوضات لا يقل أهمية عن مضمونها.
ففي 16 ديسمبر/كانون الأول 2025، أي قبل 3 أشهر فقط من الكشف عن صفقة أوسنابروك المحتملة، أغلقت فولكس فاغن مصنع درسدن لإنتاج السيارات، في أول إغلاق كامل لمصنع ألماني في تاريخ الشركة الممتد لـ88 عاما.
وضمن خطة إعادة الهيكلة المتفق عليها مع النقابات العمالية، تعتزم الشركة إلغاء 35 ألف وظيفة في ألمانيا بحلول عام 2030.
كان مصنع أوسنابروك واحدا من ثلاثة مواقع أعلنت الشركة عام 2024 أنها مهددة بالإغلاق.
إذن لم يكن الخيار بين إنتاج السيارات والأسلحة، بل بين الأسلحة والإغلاق الكامل، لذا يعد التحول منطقيا من الناحية الاقتصادية، رغم تبعاته السياسية والقانونية والأخلاقية التي تجعل من الشركة الألمانية شريكا عمليا لجيش الاحتلال الإسرائيلي المتورط في عمليات إبادة جماعية في قطاع غزة.
في شرق ألمانيا، يحدث تحول من نوع آخر، أهدأ لكنه أعمق رمزيا.
ففي 16 ديسمبر/كانون الأول 2025، وفي مدينة" غورليتس" على الحدود البولندية، توقف آخر خط إنتاج قطارات في مصنع يعمل منذ عام 1849، أي منذ 175 عاما.
لم يغلق المصنع تماما، بل استحوذت عليه شركة الدفاع الفرنسية الألمانية" كيه إن دي إس" (KNDS)، التي ستعيد توظيف نحو 400 من عماله البالغ عددهم 700 شخص لإنتاج هياكل دبابات" ليوبارد 2″، ومدفع الهاوتزر" آر سي إتش 155" (RCH 155) ذاتي الدفع، ومركبات" بوكسر" المدرعة، وسيكتمل التحول بحلول عام 2027.
ليست ألمانيا وحدها التي بدأت بعض شركاتها تنطلق في هذا المسار.
فقد بدأت شركة رينو الفرنسية في يناير/كانون الثاني الماضي إنتاج مسيرات هجومية بعيدة المدى في مصنعها بمدينة لومان، بقدرة قد تصل إلى 600 مسيرة شهريا، ضمن عقد مع وزارة الدفاع الفرنسية قد يمتد لـ10 سنوات، وبالتعاون مع شركة الدفاع الفرنسية" تورجي غايار" (Turgis Gaillard).
" بدأت شركة رينو الفرنسية إنتاج مسيرات هجومية بعيدة المدى في مصنعها بمدينة لومان، بقدرة تصل إلى 600 مسيرة شهريا"المسيرة" كوراس" (Chorus)، التي وصفتها وسائل الإعلام الفرنسية والدولية بأنها" الرد الفرنسي على مسيرة الشاهد الإيرانية"، سيبلغ طولها 10 أمتار، ومن المفترض أن تطير بسرعة تصل إلى 400 كيلومتر في الساعة على ارتفاع قد يتجاوز 5 آلاف متر.
ويُتوقع أن يصل مداها إلى 3000 كيلومتر، وأن يبلغ وزن رأسها المتفجر 500 كيلوغرام، بتكلفة للوحدة تقدر بنحو 100 ألف يورو (نحو 108 آلاف دولار) فقط.
وتبلغ قيمة العقد الأولي مع وزارة القوات المسلحة الفرنسية 35 مليون يورو (نحو 37.
8 مليون دولار)، أما العقد الإطاري الذي قد يتبعه فتصل قيمته إلى مليار يورو (نحو 1.
08 مليار دولار) على عشر سنوات.
في خلفية تلك العناوين الكبرى، تجري عمليات تحول أصغر لكنها ترتبط بالنسق ذاته.
كانت مجموعة راينميتال الألمانية، وهي شركة صناعات دفاعية تعمل أيضا في إنتاج السيارات، قد بدأت العام الماضي 2025 بتحويل مصنعين في برلين ونويس، ينتجان قطع غيار للسيارات، إلى إنتاج معدات عسكرية.
ووقعت الشركة في يونيو/حزيران 2024 مذكرة تفاهم مع شركة" كونتيننتال" العملاقة لقطع غيار السيارات، تنص على إعادة تأهيل عمال السيارات المسرحين للعمل في مصانع الدفاع.
كما ذهبت الجمعية الفيدرالية الألمانية لصناعة الأمن والدفاع (BDSV) خطوة أبعد، إذ اقترحت في مارس/آذار 2025 تبني سياسة صناعية وطنية تقوم على إعادة توظيف القدرات الإنتاجية لقطاع السيارات في خدمة الصناعات الدفاعية.
بالطبع، ليس هذا توجها جديدا، إذ امتلكت شركات صناعة السيارات الأوروبية تاريخا حافلا في إنتاج الأسلحة والمعدات الدفاعية حينما طُلب منها ذلك في أوقات الحروب.
أما الرواية الرسمية لما يحدث فهي أن صناعة السيارات الأوروبية تخسر معاركها أمام المنافسة الصينية مع تعثر التحول إلى السيارات الكهربائية، وقد تجد طوق نجاتها في ميزانيات الدفاع المتضخمة بفعل الحرب الروسية الأوكرانية.
لتبدو الصورة النهائية كالتالي: شركات تتكيف مع واقعها، وعمال يحافظون على وظائفهم، وحكومات تعزز جاهزيتها العسكرية، ما يعني أن طرف في هذه الصورة يتصرف بعقلانية وفقا للظروف الراهنة.
" بدأت مجموعة راينميتال العام الماضي في تحويل مصنعين في برلين ونويس، ينتجان قطع غيار للسيارات، إلى إنتاج معدات عسكرية"غير أن مجموع هذه التصرفات العقلانية، على الأرجح، سيؤسس لوضع معقد آخر؛ اقتصاد قاري يصبح فيه استمرار التهديدات العسكرية شرطا لاستمرار الصناعة نفسها.
أي أن البنية التحتية الصناعية، حالما اكتملت، ستحتاج إلى عدو دائم كي تبرر وجودها، ولنا في المجمع العسكري الصناعي الأمريكي عبرة.
ويمكن تشبيه هذا الوضع بقفل محكم يُغلق على أوروبا، وعلى مصير من يُفترض أنهم يقفون على الجانب الآخر من فوهات تلك الأسلحة.
ما يبدو من بعيد قرارات متفرقة لشركات متفرقة، هو، نظريا على الأقل، إعادة تشكيل منهجية لقاعدة الإنتاج الصناعي القاري.
والسرعة التي يجري بها هذا التحول لافتة؛ إعادة هيكلة مصنع للسيارات لإنتاج معدات دفاعية تحتاج، وفق المصادر القريبة من المفاوضات، إلى ما بين 12 و18 شهرا فقط، بحد أدنى من الاستثمار الجديد.
ما تعجز عنه الشركات والحكومات أحيانا في عقد كامل من السياسة الصناعية، قد تنجزه ضغوط حسابات البقاء في أقل من عام ونصف.
لنفهم لماذا تتحول شركات السيارات الأوروبية إلى الصناعات العسكرية في هذه اللحظة بالتحديد، يجب أولا النظر إلى الأرقام التي صدرت في الأشهر القليلة الماضية، فربما تقدم لنا ما يكفي من السياق.
ففي 26 فبراير/شباط الماضي، أعلنت شركة" ستيلانتيس" (Stellantis)، التي تضم تحت مظلتها علامات تجارية شهيرة مثل بيجو وسيتروين وفيات وكرايسلر وجيب وأوبل وألفا روميو، أنها سجلت عام 2025 خسارة صافية سنوية بلغت 22.
3 مليار يورو (نحو 26.
3 مليار دولار)، وهي الأولى من نوعها في تاريخ الشركة منذ تأسيسها بالاندماج عام 2021.
وجاءت الخسارة في معظمها من شطب أصول بقيمة 25.
4 مليار يورو (نحو 27.
4 مليار دولار)، مرتبطة في الغالب بإعادة هيكلة إستراتيجية المركبات الكهربائية.
بعد أسبوعين، في 10 مارس/آذار الماضي، جاء دور فولكس فاغن.
فقد أعلنت الشركة، التي لا تزال أكبر صانع سيارات في أوروبا، تراجع أرباحها التشغيلية في 2025 بنسبة 53% لتصل إلى 8.
9 مليارات يورو (نحو 9.
6 مليارات دولار) فقط وهو رقم لا يبلغ حتى نصف الهدف الإستراتيجي المحدد من قبل الشركة.
وكانت توقعات المحللين تتحدث عن أرباح بقيمة 9.
4 مليارات يورو (نحو 10.
2 مليارات دولار)، أي أن النتائج الفعلية جاءت أسوأ من توقعات السوق نفسها.
" الشركات الصينية لم تعد منافسا بعيدا، بل صارت تنافس الأوروبيين في أسواقهم نفسها"وراء الأرقام يبرز السبب الهيكلي، وهو أن الشركات الصينية لم تعد منافسا بعيدا، بل صارت تنافس الأوروبيين في أسواقهم نفسها.
في يناير/كانون الثاني الماضي وحده، سجلت شركة" بي واي دي" (BYD) الصينية مبيعات مضاعفة تقريبا مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، فيما حققت شركة صينية أخرى وهي" ليب موتور" (Leap Motor) قفزة بنسبة 357% على أساس سنوي.
تجاوز مجموع تسجيلات الشركات الصينية في أوروبا، في أغسطس/آب 2025، أكثر من 43500 سيارة، أي أكثر من تسجيلات أودي أو رينو منفردتين، بزيادة سنوية بلغت 121%.
وتباع سيارات" بي واي دي" في أوروبا بأسعار تقل عن سيارات فولكس فاغن المكافئة، رغم الرسوم الجمركية الإضافية التي فرضها الاتحاد الأوروبي على المركبات الكهربائية الصينية عام 2024.
لا تتوقف الأزمة عند الضغط الصيني، فقد وقعت شركات السيارات الأوروبية، إلى جانب ذلك، في فخ التحول إلى المركبات الكهربائية، إذ استثمرت المليارات في إعادة تجهيز خطوط الإنتاج، وفي تطوير منصات كهربائية جديدة، وفي إنشاء مصانع للبطاريات، على افتراض أن السوق ستتحرك بسرعة معينة.
ولكن السوق تحركت أبطأ بكثير مما توقعت تلك الشركات، مما اضطر شركة ستيلانتيس إلى شطب 25.
4 مليار يورو (نحو 27.
4 مليار دولار) من قيمة هذه الاستثمارات.
وأعلنت فولكس فاغن أنها ستضطر إلى مواصلة الاستثمار في تكنولوجيا محركات الاحتراق الجديدة في الوقت ذاته الذي تستثمر فيه في المحركات الكهربائية، أي تمويل مسارين متوازيين بميزانيات صممت لمسار واحد.
" منذ فرضت إدارة ترمب رسوما بنسبة 25% على واردات السيارات الأوروبية، تكبدت شركات القارة مليارات الدولارات من الأرباح المفقودة"ثم أتت الرسوم الجمركية الأمريكية؛ منذ أن فرضت إدارة دونالد ترمب رسوما بنسبة 25% على واردات السيارات الأوروبية في أبريل/نيسان 2025، تكبدت شركات القارة مليارات الدولارات سنويا من الأرباح المفقودة.
وسجلت فولكس فاغن وحدها في النصف الأول من 2025 خسائر بقيمة 1.
5 مليار دولار من الرسوم، فيما قدرت ستيلانتيس التكلفة الصافية لهذه الرسوم في 2026 بنحو 1.
6 مليار يورو (نحو 1.
7 مليار دولار).
في هذا السياق، يصبح قرار التحول إلى الصناعات الدفاعية منطقا لا يحتاج إلى شرح كثير، إذ تتضخم الميزانيات الدفاعية الأوروبية بمعدلات تاريخية فعلا، وتعد العقود الحكومية مضمونة لعشر سنوات أو أكثر، بجانب هوامش ربح قطاعية تقاس عادة بأضعاف ما تحققه صناعة السيارات؛ المصانع جاهزة، والعمال مدربون، وسلاسل التوريد قائمة.
وفي كل تلك الحالات، يبدو القرار الذي تتخذه كل شركة على حدة قرارا عقلانيا، والقرار الذي تتخذه كل حكومة على حدة قد يبدو كذلك أيضا.
لكن سؤالا واحدا لا يطرح كثيرا: ماذا سينتج مجموع هذه القرارات العقلانية حين يكتمل؟ قبل محاولة الإجابة عن هذا السؤال، يجب الإقرار بأن تلك التهديدات الحالية، التي تمول هذه البنية التحتية العسكرية لمواجهتها، ليست خيالية.
تستند أوروبا في تبرير تحولها الصناعي إلى تهديد واحد مهيمن وهو خطر التمدد الروسي.
ليس هذا تهديدا متخيلا بالطبع.
فمنذ اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، في فبراير/شباط 2022، تحولت قراءة التهديد الروسي إلى رواية تتقاطع فيها الأجهزة الاستخبارية الأوروبية والقيادات العسكرية ووثائق وزارات الدفاع.
وفي 18 مارس/آذار الماضي، صرح رئيس هيئة الأركان العامة التشيكية، الجنرال كاريل ريهكا، بأن معظم القادة العسكريين في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لا يستبعدون احتمال أن تشن روسيا هجوما على أراضي الحلف بحلول عام 2029، فيما يضع تقدير جهاز الاستخبارات الفيدرالي الألماني (BND) الموعد بحلول عام 2030.
أما الأمين العام للناتو، مارك روته، فقد حذر في برلين في ديسمبر/كانون الأول 2025 من أن" أوروبا هي الهدف التالي لروسيا"، مضيفا أن الحرب صارت على الأبواب.
وفي مارس/آذار 2026، نشرت أجهزة الاستخبارات الليتوانية تقديرا بأن روسيا قد تكون جاهزة لعملية عسكرية محدودة في منطقة البلطيق في غضون عام إلى عامين من انتهاء الحرب الأوكرانية، وجاهزة لحرب واسعة مع الناتو خلال 6 إلى 10 سنوات.
" خطط إعادة التسلح الأوروبية لن تسد الثغرات الجوهرية في القدرات العسكرية قبل عام 2035"سواء صحت تلك التقديرات أم لا، فهي تشكل اللحظة التي تتخذ فيها أوروبا قراراتها.
والمعضلة هنا أن خطط إعادة التسلح الأوروبية لن تسد الثغرات الجوهرية في القدرات العسكرية قبل عام 2035، وفقا للتقديرات الحالية.
وهذه الفجوة، التي تمتد من خمس إلى سبع سنوات، ليست من قبيل المصادفة في التخطيط، بل هي فرصة سانحة، وقد أثبتت روسيا مرات عديدة أنها تستغل مثل تلك الفرص.
وعموما لا تنبع تلك التقديرات من الفراغ.
ففي عام 2025، شهدت الأجواء والمياه الأوروبية سلسلة من الحوادث الميدانية، استقبلت في العواصم الأوروبية بوصفها" حربا هجينة" منخفضة الكثافة.
مثلا، اخترقت مسيرة روسية الأجواء البولندية وضربت قرب قاعدة للناتو، وعبرت مقاتلات روسية أجواء خليج فنلندا لمدة 12 دقيقة في سبتمبر/أيلول 2025، وسجلت انتهاكات مماثلة في ليتوانيا ورومانيا.
وسواء كانت هذه الحوادث استفزازات محسوبة أم خروقات متراكمة، فإن أثرها على القرار السياسي الأوروبي واحد، إذ تُعد دليلا على أن التهديد ليس نظريا.
في المقابل، لا تستطيع أوروبا أن تنكر أنها قضت العقد السابق للحرب الروسية الأوكرانية في تخفيض إنفاقها الدفاعي.
ففي عام 2014، وصل الإنفاق الدفاعي للاتحاد الأوروبي إلى أدنى مستوياته منذ بدء جمع البيانات في 2005، وبلغ 189 مليار يورو (نحو 204.
1 مليارات دولار) فقط (معدلة وفق التضخم).
ولم تكن مخزونات الذخائر في كثير من دول الحلف، حسب تقارير وزارات الدفاع نفسها، كافية لأكثر من أيام معدودة من قتال عالي الكثافة.
وكانت شركات دفاعية أوروبية تنتج بضع عشرات من المدافع سنويا، في وقت يقاس فيه الإنتاج الروسي بالآلاف.
لقد كانت الفجوة موجودة وكبيرة، وكانت نتاجا لعقدين من" الاسترخاء الإستراتيجي".
في هذا السياق، ووفقا لتقرير لـ" فايننشال تايمز"، تسعى شركة رافائيل الإسرائيلية إلى تسويق منظومة القبة الحديدية لدول أوروبية، بينها ألمانيا، في ظل توجه متسارع لتعزيز منظومات الدفاع الجوي عقب الحرب الروسية الأوكرانية.
وكانت ألمانيا قد تسلمت العام الماضي أول وحدة من أصل ثلاث وحدات من منظومة" آرو 3" للدفاع الجوي، التي تنتجها شركة" الصناعات الجوية الإسرائيلية".
" حين تكون التهديدات قائمة، والاستعداد ضعيفا، والتحالف الأمريكي مهتزا، لا أحد يعترض على تحويل مصنع سيارات لإنتاج الأسلحة"من الصعب نظريا الاعتراض على المنطق الأوروبي، فحين تكون التهديدات قائمة، والاستعداد ضعيفا، والتحالف الأمريكي مهتزا تحت إدارة ترمب، التي طالبت الحلفاء برفع إنفاقهم إلى 5% من ناتجهم المحلي الإجمالي، ولوحت أكثر من مرة بانسحاب كامل من الالتزامات الأطلسية، فإن الرد الطبيعي هو الإنفاق والتسلح وإعادة بناء القاعدة الصناعية.
وقرار تحويل مصنع سيارات متهالك إلى منتج لمكونات منظومة دفاع جوي، يبدو حين يُنظر إليه بوصفه استجابة لظروف حقيقية.
غير أن قلة من الخبراء هم من يناقشون ما ستفرزه الاستجابة الأوروبية للتهديدات هيكليا.
فإذا افترضنا أن كل تقدير استخباري حيال روسيا صحيح، وأن كل تهديد على وشك التحقق، يبقى السؤال الذي لم يطرح في كل ما سبق: ماذا سيحدث للبنية التحتية التي تبنى اليوم لمواجهة هذه التهديدات، حين تنتهي التهديدات نفسها؟ثمة افتراض شائع مفاده أن البنية التحتية الصناعية تستطيع العودة إلى ما كانت عليه سابقا.
ويقدم لنا التاريخ القريب سابقة مطمئنة، فبعد الحرب العالمية الثانية، عادت مصانع السيارات الأمريكية والأوروبية إلى الإنتاج المدني؛ فالشركات التي كانت تصنع الدبابات والقاذفات، سرعان ما عادت إلى صناعة السيارات.
بيد أن هناك 3 آليات هيكلية هذه المرة تغلق الباب الذي عاد منه السلاح إلى الإنتاج المدني بعد عام 1945.
أولا، لا يوجد اقتصاد مدني ينتظر العودة إليه، فصناعة السيارات الأوروبية لا تأخذ استراحة مؤقتة من أجل المجهود الحربي، بل هي في وضع انهيار تحت ضغوط بنيوية مستمرة.
وعودة مصنع أوسنابروك أو لومان أو غورليتس إلى إنتاج السيارات تعني العودة إلى الخسارة ذاتها التي دفعتها إلى الخروج منها، وربما أشد.
ثانيا، الحوافز السياسية لم تعد دورية، بل صارت هيكلية، فهدف الناتو الجديد بإنفاق 3.
5% من الناتج المحلي على قطاع الدفاع الأساسي و1.
5% إضافية على مشاريع البنية التحتية العسكرية بحلول عام 2035، ليس استجابة لأزمة عابرة، بل سياسة طويلة الأمد.
وثالثا، تكاليف التبديل تتراكم، من تصاريح أمنية وسلاسل توريد وتدريبات متخصصة، إلى عقود تمتد لـ10 أو 15 سنة.
وكل شهر يبقى فيه المصنع داخل المنظومة الدفاعية، يجعل الخروج منها أصعب وأكثر كلفة، حتى يصبح الخروج -عمليا- غير ممكن.
ويلخص أحد مؤسسي شركة ألمانية تحولت من إنتاج السيارات إلى قطاع الدفاع، تجربته بقوله إن" الدخول إلى هذا القطاع يستغرق وقتا وجهدا، لكن حالما تكون داخل النظام، فإنك تبقى داخله".
" صناعة السيارات الأوروبية لا تأخذ استراحة مؤقتة من أجل المجهود الحربي، ولكنها في وضع انهيار تحت ضغوط بنيوية مستمرة"تجد هذه الآليات الثلاث تعبيرها الأصدق في قرارات العمال أنفسهم.
ففي فبراير/شباط الماضي، صوت المجلس الاجتماعي والاقتصادي في مصنع رينو في لومان على المشاركة في إنتاج المسيرات الهجومية، فجاءت النتيجة 10 أصوات لصالح القرار، و11 امتناعا عن التصويت، وصفر ضده.
وقد عارضت بعض النقابات العمالية المشروع معتبرة ما يحدث صعودا لمنطق الحرب.
لكن العمال، الذين يعرفون عمليا ما يعنيه إغلاق المصنع لعائلاتهم، اختاروا استمرار وظيفتهم.
كما لخص أحد المطلعين على مفاوضات أوسنابروك هذا المنطق قائلا: " الهدف هو إنقاذ الجميع، وربما النمو".
نحن إذن أمام قرار اقتصادي على مستوى العامل، يُترجم في النهاية إلى خيار هيكلي على مستوى القارة كلها.
من اللحظة التي يكتمل فيها إغلاق ذلك القفل الهيكلي، يبدأ النظام في إعادة إنتاج نفسه.
يظهر هذا أولا في الضغط السياسي، فمنذ بداية الحرب الأوكرانية، قفز إنفاق شركات الدفاع الأوروبية على الضغط السياسي في بروكسل بنحو 40%، وفي الفترة بين يونيو/حزيران 2024 ويونيو/حزيران 2025، نظم ممثلو القطاع 197 اجتماعا مع أعضاء مجلس النواب الأوروبي، مقارنة بـ 78 اجتماعا فقط في السنوات الخمس السابقة مجتمعة.
وقد أنفقت الشركات السبع الأكبر في القطاع، وهي إيرباص (Airbus) وليوناردو (Leonardo) وتاليس (Thales) وراينميتال (Rheinmetall) وناڤال غروب (Naval Group) وساب (Saab) وسافران (Safran)، حوالي 5.
5 مليون يورو (نحو 5.
9 ملايين دولار) عام 2023 وحده على الضغط السياسي، بزيادة 34% عن العام السابق.
ووصفت منظمة الشفافية الدولية ومرصد الاتحاد الأوروبي ما يحدث بأنه" حمى ذهب لتجار السلاح"، وحذرتا من أن الميزانيات الدفاعية قد تُصرف على أسلحة تخدم أهداف مبيعات الشركات الخاصة، وليس أهداف الأمن الأوروبي.
" قبل أكثر من 6 عقود، حذر الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور من نشأة مجمع عسكري صناعي يكتسب نفوذا غير مبرَّر في الحياة السياسية الأمريكية"السابقة التاريخية لهذا النمط معروفة ومسجلة، وقد سميت قبل أكثر من ستين عاما.
ففي خطاب وداعه عام 1961، حذر الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور، الرئيس ذاته الذي قاد قوات الحلفاء في أوروبا، من نشأة" مجمع عسكري صناعي" يكتسب نفوذا غير مبرَّر في الحياة السياسية الأمريكية.
وقد أثبت النصف الثاني من القرن العشرين تشخيصه، وصار الإنفاق الدفاعي الأمريكي خطا أحمر سياسيا لا يمس، بشبكة معقدة من مقاولين وموظفين وسياسيين ومصانع عسكرية موزعة عبر ولايات متعددة، تجعل أي تخفيض في تلك الميزانية خسارة انتخابية مكلفة.
تبني أوروبا، التي تسرع اليوم بناء قاعدتها الصناعية الدفاعية، نسختها الخاصة من النظام الأمريكي نفسه.
لن يكون مفاجئا، حين يكتمل البناء، أن يبدأ المجمع العسكري المولود حديثا في إنتاج التهديدات التي يحتاجها كي يستمر، كما حدث مرارا في الحالة الأمريكية.
إن الاقتصاد الذي يحتاج إلى الحرب، سرعان ما يجد وسيلة لتبرير وجود الحرب.
وهنا تكتمل الصورة؛ مصنع سيارات في" مدينة السلام" ينتج منصات إطلاق صواريخ، ومصنع قطارات قائم منذ 175 عاما ينتج هياكل دبابات، ومصنع سيارات في لومان ينتج مسيرات، كل ذلك لمواجهة التهديد الروسي.
كل خطوة من تلك الخطوات لها مبررها العقلاني المنفصل، لكن مجموعها ينتج اقتصادا أوروبيا يحتاج كي يستمر إلى أن يظل الدم يسيل.
السؤال الذي تتركه أوروبا اليوم معلقا أمامنا ليس هل خطط أحد لهذا، بل هل يستطيع أحد إيقافه بعد أن يحدث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك