تبدو المنطقة اليوم وكأنّها تتجه نحو مرحلة من التهدئة النسبية، عبر تفاهمات غير مُعلَنة أو باتفاقات سياسية محتملة تشمل الملفّ النووي الإيراني أو إعادة تموضع الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط.
غير أنّ السؤال الجوهري لا يتعلّق بوقف الحرب بحدّ ذاته، بل بما يترتّب منها وما يبقى بعدها؛ فالتجارب السابقة تؤكّد أنّ الصراعات في المنطقة نادراً ما تنتهي فعلياً، بل تعيد تشكيل نفسها بأدوات وأساليب مختلفة، وتبقى المليشيات في صدارة هذه الأدوات التي تغذّي التوتّر وترسّخ عدم الاستقرار.
لقد أظهرت أحداث السنوات الماضية، وصولاً إلى حرب إيران أخيراً، كيف اعتمدت طهران على استراتيجية الحرب غير المباشرة.
فقد تعرّضت دول الخليج لهجمات عبر شبكات مسلّحة تستخدم الطائرات المُسيَّرة والصواريخ والتهديدات البحرية أدواتٍ للضغط والابتزاز.
الأخطر أنّ هذه العمليات تجري ضمن منطقة رمادية: المليشيات تنفّذ، وإيران تنفي، بينما تبقى المنطقة في حالة استنزاف مستمرّ.
لقد نجحت طهران في تطوير نموذج يتيح لها إدارة التصعيد عن بُعد، وإشعال الأزمات من دون تحمّل كلفتها الكاملة.
بذلك، لم يعد أمن الخليج مرتبطاً فقط بالتوازنات العسكرية التقليدية، بل بمدى القدرة على مواجهة تهديدات غير نظامية عابرة للحدود والقانون.
من الخطأ النظر إلى المليشيات أنها مجرّد أوراق تفاوض يمكن التخلّي عنها في أيّ تسوية سياسية.
في ما يخص إيران، تمثّل هذه الجماعات ركناً أساسياً في عقيدتها الأمنية التي تشكّلت في العقود الثلاثة الماضية، فقد أدركت طهران أنّ المواجهة المباشرة مكلفة، كما أظهرت تجربة الحرب العراقية الإيرانية، فاختارت نقل ساحات الصراع إلى خارج حدودها.
أدركت طهران أنّ المواجهة المباشرة مكلفة، كما أظهرت تجربة الحرب العراقية الإيرانية، فاختارت نقل ساحات الصراع إلى خارج حدودهاولم يقتصر هذا التحوّل على الدعم العسكري، بل شمل أيضاً بناء روابط عقائدية وسياسية عميقة وطويلة الأمد، جعلت هذه الجماعات امتداداً عضوياً للمشروع الإقليمي الإيراني لا مجرّد حلفاء ظرفيين.
ومن هنا، برزت المليشيات في لبنان والعراق واليمن أذرع نفوذ ثابتة.
في المقابل، تطرح إيران هذه الجماعات باعتبارها" حركات مقاومة"، أو قوى محلّية تدافع عن مصالحها، بينما ترى دول عربية عديدة أنّها أدوات لإعادة تشكيل موازين القوى وإضعاف الدولة الوطنية من الداخل.
وأحد أبرز أخطاء قراءة المشهد الإقليمي يتمثّل في اختزال المليشيات في أنّها مجموعات مسلّحة خارجة عن سلطة الدولة، فقد تجاوزت هذه الجماعات هذا الوصف منذ سنوات، وتحوّلت إلى منظومات نفوذٍ متكاملةٍ تمتلك أبعاداً سياسية واقتصادية وأمنية، تضمن لها الاستمرار بغضّ النظر عن مسار الحروب.
لم تعد هذه القوى تعتمد حصراً على الدعم الخارجي، بل نجحت في بناء مصادر تمويل مستقلّة عبر شبكات اقتصادية غير رسمية تشمل التهريب، والمعابر، والاستثمار، والاقتصاد الموازي.
منحها هذا التحوّل هامش استقلالية متزايداً، بل أتاح لها في بعض الحالات منافسة الدولة في إدارة الموارد والنفوذ.
سياسياً، أصبحت هذه الجماعات جزءاً من مراكز القرار، أو قادرةً على تعطيله وفرض شروطها بالقوّة.
كما طوّرت أدواتٍ إعلامية ومنصّاتٍ دعائيةً تعيد إنتاج خطابها وتشرعن وجودها تحت عناوين مثل" المقاومة" أو" الحماية" أو" الدفاع عن الهُويّة".
ومع الوقت، تمكّنت بعض هذه القوى من ترسيخ قواعد اجتماعية وعقائدية خاصّة بها، مستفيدةً من هشاشة الدول والانقسامات الداخلية والأزمات الاقتصادية.
وبهذا، لم تعد مجرّد تشكيلات مسلّحة، بل تحوّلت إلى بيئات نفوذ يصعب تفكيكها بالوسائل الأمنية التقليدية، نظراً إلى تشابكها مع مصالح سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة.
والنتيجة الأخطر لهذا المسار نشوء واقع" السلطة المزدوجة"، إذ تتعايش دولة رسمية ذات شرعية قانونية لكنّها ضعيفة، مع سلطة موازية تمتلك القوة الفعلية على الأرض.
في هذه الحالة، لا يقتصر التهديد على الأمن، بل يمتدّ إلى جوهر مفهوم الدولة وقدرتها على احتكار القرار والسيادة واستخدام القوّة.
لم تعد المشكلة في وجود المليشيات بحدّ ذاته، بل في تحوّلها إلى قوى تتفوّق على الدولة.
ففي دول مثل لبنان والعراق واليمن، لم تعد الحكومات تحتكر القرار السيادي، بل أصبحت مضطرّة إلى التعايش مع قوى مسلّحة قادرة على فرض إرادتها أو تعطيل مؤسّسات الدولة.
هنا تتشكّل ما يمكن وصفه بـ" الدولة الهجينة"، إذ توجد مؤسّسات رسمية وشعارات سيادية، لكنّ القرار الفعلي يبقى بيد السلاح الموازي.
المليشيا تتحرّك، والدولة تتحمّل النتائج؛ تُطلق الصواريخ باسم" المقاومة"، بينما تدفع الدولة كلفة الانهيار الاقتصادي والعزلة السياسية.
المليشيات لم تعد مجرّد نتيجة للحروب، بل أصبحت جزءاً من بنية النظام الإقليمي نفسهفي لبنان، لم يعد السؤال ما الذي تريده الدولة، بل ما الذي يسمح به حزب الله.
وفي العراق، باتت بعض الفصائل المسلّحة تفوق مؤسّسات الدولة قوّةً ونفوذاً.
أمّا في اليمن، فقد تحوّلت جماعة الحوثي إلى سلطة أمر واقع تتوسّع على حساب الدولة.
هذا الواقع لا يعكس ضعف الدولة فحسب، بل يشير إلى تفكيكها التدريجي من الداخل.
الاعتقاد بأنّ توقّف العمليات العسكرية سيقود تلقائياً إلى الاستقرار هو تبسيط مخل.
فحتى في حال تراجع التوتّر الأميركي – الإيراني أو التوصّل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي، يبقى السؤال الأهم: ماذا عن سلاح الوكلاء؟ تكمن المشكلة في أنّ معظم التفاهمات الدولية تركّز على الملفّ النووي، بينما تتجاهل البنية المسلّحة التي بنتها إيران على مدى عقود.
ومن ثم، سيظلّ أيّ اتفاق لا يتناول مسألة المليشيات مجرّدَ هدنة مؤقّتة، تؤجّل الانفجار ولا تمنعه.
بل قد تتفاقم المخاطر في مرحلة ما بعد الحرب، إذ يمكن أن يؤدّي تراجع الضغوط العسكرية إلى منح هذه الجماعات مساحة أوسع لإعادة التموضع والتوسّع داخل الدول العربية مستفيدةً من ضعف المؤسّسات والانقسامات الداخلية.
بعبارة أخرى، قد تتوقّف الحرب المباشرة، لكن مشروع النفوذ عبر الوكلاء سيستمرّ، وربّما يزداد ترسخاً.
لا يشير المشهد الإقليمي إلى اقتراب سلام مستدام، بل إلى إعادة تشكيل الصراع بأدوات جديدة.
فالمليشيات لم تعد مجرّد نتيجة للحروب، بل أصبحت جزءاً من بنية النظام الإقليمي نفسه.
لذلك، ستظلّ أيّ تسوية لا تعالج جذور ظاهرة السلاح الموازي ناقصةً وغيرَ قادرةٍ على إنتاج استقرار حقيقي.
فلا يمكن للدولة أن تستعيد عافيتها في ظلّ وجود قوى تمتلك قرار الحرب أكثر ممّا تمتلكه مؤسّساتها الرسمية.
يبقى السؤال الأكثر أهمّيةً: هل تستطيع المنطقة إعادة بناء الدولة الوطنية في ظلّ استمرار منطق المليشيا، أم أنّها تتّجه نحو واقع تصبح فيه الدولة واجهة شكلية، بينما يبقى القرار الحقيقي بيد السلاح العابر للحدود؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك