أنهيت مُشاهدة فيلم" الست"، وبقي سؤال يرافقني وأنا أغادر الشاشة: كيف يمكن لفيلم يملك هذه الإمكانات كلّها أن يخرج بهذا القدر من البرود والاعتيادية؟ لا يتعلّق السؤال بحجم الإنتاج، ولا بأسماء المشاركين فيه، ولا بالمكانة الاستثنائية للشخصية التي يتناولها، وإنّما بشيء أكثر جوهريةً: بقدرة السينما على تحويل السيرة إلى حياة، وتحويل الوقائع إلى دراما، وتحويل الشخصية التاريخية إلى كائن نابض أمامنا في الشاشة.
كانت الدقائق الأولى واعدةً، كانت توحي بأنّنا أمام عمل يعرف ما يريد، وأنّ لديه رؤيةً قادرةً على الاقتراب من شخصية بحجم أمّ كلثوم، وكان المُشاهد مستعدّاً لمنح الفيلم ثقته، غير أنّ هذا الوعد بدأ يتآكل تدريجياً، ومع كلّ مشهد جديد كان العمل يبتعد أكثر عن تلك البداية الواعدة، حتّى تحوّل إلى تجربة طويلة ومجهدة أكثر ممّا هي ممتعة أو كاشفة.
أولى المشكلات في اختيار البطلة نفسها.
لا أحد يشكّك في موهبة منى زكي أو مكانتها الفنّية، لكنّها هنا بدت أسيرةَ مهمّة أكبر من قدرتها على التقمّص الكامل.
طوال الفيلم كنت أراها وهي تجتهد في أداء دور أمّ كلثوم، ولم أشعر في لحظة أنّ أمَّ كلثوم استولت على الشاشة.
كانت المحاولة واضحة أكثر ممّا ينبغي، وكان الجهد ظاهراً أكثر من النتيجة.
يزداد هذا الشعور مع الأداء الصوتي الذي بدا من أكثر عناصر الفيلم ارتباكاً.
أمّ كلثوم ليست مجرّد هيئة أو ملامح أو ملابس، وإنّما صوت قبل أيّ شيء آخر.
الصوت هنا لم يكن جسراً نحو الشخصية، وإنّما كان حاجزاً بينها وبين المُشاهد.
في مَشاهد كثيرة بدا الأداء الصوتي مصنوعاً ومتعمّداً ومثقلاً بالرغبة في المحاكاة، حتّى فقد عفويته وصدقه.
كنت أسمع محاولة تقليد الصوت أكثر ممّا أسمع الشخصية نفسها.
أمّا" المكياج" فكان مشكلةً أخرى.
ثمّة فرق بين أن يساعد" المكياج" على بناء الوهم الفنّي وأن يتحوّل هو نفسه إلى موضوع للمُشاهدة.
في أكثر من مشهد، بدا الوجه محاصراً بطبقات واضحة من المعالجات التجميلية التي تستعرض نفسها أمام الكاميرا.
كان" المكياج" يلفت الانتباه إلى وجوده بدل أن يختفي.
وحين يصبح المُشاهد منشغلاً بمتابعة أثر" المكياج"، يفقد العمل جزءاً من قدرته على الإقناع.
لم تكن المشكلة الأعمق في التمثيل أو المكياج، وإنّما في السيناريو نفسه.
فقد بدا النصّ مرتبكاً منذ البداية في تحديد طبيعة الفيلم الذي يريد أن يكونه.
هل نحن أمام سيرة فنّية؟ أم أمام دراما إنسانية؟ أم أمام قراءة تاريخية لمرحلة كاملة؟ أم أمام احتفاء بشخصية أسطورية؟ الفيلم يتحرّك بين هذه المسارات كلّها من دون أن يستقرّ عند أيّ منها.
كان السيناريو يتعامل مع حياة أمّ كلثوم كما يتعامل موظّفُ أرشيف مع مجموعة من الملفّات.
ينتقل من حدث إلى حدث، ومن مرحلة إلى مرحلة، ومن محطّة إلى أخرى، بينما تغيب الرؤية التي تربط هذه المحطّات.
وهكذا تراكمت الوقائع فوق الشاشة من دون أن تتراكم الدلالات داخل وجدان المُشاهد.
ولذلك بدا الإيقاع مترهّلاً رغم كثافة الأحداث.
فالمشكلة لم تكن في قلّة ما جرى في حياة الشخصية، وإنّما في طريقة عرضها.
هناك أفلام تُبقي المُشاهد مشدوداً رغم بساطة أحداثها، وهناك أفلام تمتلك مادّةً ثريّةً لكنّها تفشل في منحها النبض اللازم.
و" الست" ينتمي إلى الفئة الثانية.
لم ينجح الإخراج في إنقاذ النصّ من عثراته.
الصورة أنيقة أحياناً، والديكورات مدروسة، والأزياء منفّذة بعناية، والكادرات تبدو مرتَّبةً ومحسوبةً، لكنّ ذلك كلّه ظلّ أقرب إلى العرض المُتحفيّ منه إلى السينما.
كنتُ أشاهد عناصر الإنتاج أكثر ممّا أشاهد الحياة وهي تتشكّل داخلها.
كانت التفاصيل موجودةً بكثافة، بينما غاب الأثر الذي يُفترض أن تصنعه هذه التفاصيل حين تجتمع داخل عمل فنّي متماسك.
المأخذ الأكبر على الفيلم كلّه في مكان آخر؛ لقد أخطأ في فهم أمّ كلثوم نفسها.
تعامل معها صورةً محفوظةً في الذاكرة الجمعية أكثر منها شخصيةً إنسانيةً معقّدةً.
بدا مأخوذاً بفكرة إعادة إنتاج الأيقونة، بينما أهمل البحث عن المرأة التي صنعت تلك الأيقونة.
أمُّ كلثوم لم تصبح أمَّ كلثوم بسبب الصوت وحده، ولا بسبب الشهرة، ولا بسبب النجاح المتواصل.
كانت مشروع إرادة استثنائياً، وكانت تمتلك ذكاءً اجتماعياً وثقافياً نادراً، وكانت تعرف كيف تدير موهبتها كما يدير القائد مشروعه الكبير.
هذه الطبقات العميقة ظلّت بعيدةً من الفيلم.
رأينا الشكل الخارجي للشخصية، ورأينا محاولات التشبّه بها، ورأينا تفاصيل حياتها العامّة، لكنّنا لم نقترب بالقدر الكافي من عقلها ومخاوفها وصراعاتها، ومن الأسرار التي صنعت تفرّدها.
لهذا السبب، خرجت الشخصية في كثير من المَشاهد أشبه بتمثال متحرّك.
نراقبها من الخارج، ونعرف ما حدث لها، لكنّنا لا نشعر بأننا نعيش معها ما حدث.
والفارق بين السيرة والتاريخ أنّ الأولى تجعلنا نفهم الداخل، بينما يكتفي الثاني بسرد الوقائع.
أكثر ما أزعجني أنّ الفيلم بدا منشغلاً بالمحاكاة أكثر من الفهم.
أراد أن يقنعنا بأنّه يشبه أمّ كلثوم، ولم ينجح في أن يقنعنا بأنّه يعرفها.
كان هناك جهد هائل في تقليد الملامح والحركات والنبرة والملابس، بينما ظلّ جوهر الشخصية بعيداً من الكاميرا.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة؛ فكلّما ازداد الفيلم حرصاً على استنساخ الصورة، ازداد ابتعاداً عن الحقيقة الكامنة خلفها.
لهذا خرجتُ من" الست" بشعور نادر الحدوث.
شعور بأنّ الفيلم امتلك كلّ شيء تقريباً إلا العنصر الأكثر أهمّيةً: امتلك المال والإنتاج والنجوم والديكورات والأزياء والدعاية والشخصية التاريخية الكُبرى، لكنّه لم يمتلك الروح.
لقد كانت أمّ كلثوم أكبرَ من السيناريو، وأعمقَ من المعالجة، وأشدَّ حضوراً من الأداء، لذلك انتهى الفيلم حبيس صورها، فيما بقيت هي نفسها خارجه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك