هذا ما حدث يوم الاثنين الماضي.
في ساعات قليلة، انتقل المشهد من الحديث عن مزيد من الضربات والتصعيد إلى سباق محموم لاحتواء الموقف ومنع انفجار الحرب الكبرى.
فجأة تحرك الوسطاء، وارتفعت وتيرة الاتصالات، وانشغلت العواصم المؤثرة بالبحث عن مخارج سياسية، وكأن المنطقة كلها اكتشفت دفعة واحدة أن النار التي أوشكت على الاشتعال لن تقف عند حدود دولة أو جبهة واحدة.
ولهذا السبب لم يكن المشهد الأبرز هو التهديدات المتبادلة، بل حركة الاتصالات والوساطات التي انطلقت من أكثر من عاصمة.
فعندما تبدأ الهواتف بالعمل أكثر من الصواريخ، فهذا يعني أن جميع الأطراف باتت تدرك حجم المخاطر المترتبة على أي خطوة غير محسوبة.
ايران حققت في ذلك اليوم أكثر من هدف استراتيجيالهدف الأول كان تثبيت معادلة جديدة على الساحة اللبنانية.
فبدلاً من أن تبقى بيروت والضاحية هدفاً مفتوحاً للضغط والتصعيد، أصبحت أي مغامرة واسعة تحمل معها احتمالات ردود وتداعيات لا يمكن التنبؤ بنتائجها.
وهكذا انتقل النقاش من كيفية توسيع الهجوم إلى كيفية منع توسعه.
أما الهدف الثاني فكان كشف الأوراق التي يخشاها الخصم أكثر من غيرها.
فالقضية لم تكن مجرد تصريحات سياسية أو مواقف إعلامية، بل التلويح بأدوات ضغط تمس حسابات الخصوم مباشرة: وقف مسارات التفاوض، احتمال توسيع دائرة المواجهة مع إسرائيل، وطرح سيناريوهات يمكن أن تدفع المنطقة بأكملها إلى مرحلة مختلفة تماماً.
لقد أدركت إيران منذ سنوات أن مواجهة القوى الكبرى لا تكون بمحاولة التفوق عليها في كل شيء، فهذا أمر غير واقعي.
لذلك اختارت طريقاً آخر: بناء قدرة ردع تجعل كلفة الحرب أعلى من مكاسبها.
وعندما تصل الأمور إلى هذه النقطة، يصبح الطرف الأقوى عسكرياً مضطراً إلى إعادة الحسابات، ليس خوفاً من الهزيمة، بل خوفاً من الثمن.
فالدولة التي قيل مراراً إنها معزولة ومحاصرة ومُنهكة، استطاعت أن تجعل خصومها وحلفاءهم ينشغلون بمنع التصعيد بدلاً من السعي إليه.
والدولة التي تعرضت لعقوبات غير مسبوقة نجحت في الاحتفاظ بأوراق كافية تجعل أي قرار بمواجهتها قراراً بالغ الكلفة.
قد يختلف الناس في تأييد إيران أو معارضتها، وقد تختلف القراءات حول ما جرى، لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن يوم الاثنين كشف حقيقة استراتيجية مهمة: ليس ضرورياً أن تكون الأقوى في العالم لكي تفرض معادلتك.
يكفي أن تمتلك من عناصر الردع ما يجعل خصمك، مهما بلغت قوته، يفكر ملياً قبل أن يخطو الخطوة التالية.
وفي عالم السياسة، عندما يتحول التهديد بالحرب إلى موجة اتصالات ووساطات وتحركات دبلوماسية عاجلة، فذلك يعني أن الرسالة قد وصلت، وأن ميزان الردع نجح في أداء مهمته، ولو مؤقتاً.
لقد كان يوم الاثنين يوماً قالت فيه إيران شيئاً واحداً للجميع: ما زالت لدي أوراق قادرة على تغيير الحسابات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك