لا يزال مفهوم «البهرجة» يثير ردود فعل متباينة حتى اليوم، إذ ينظر إليه البعض بوصفه سلوكًا يميل إلى المبالغة أو الابتذال، بينما ترتبط صورته في أذهان كثيرين بإيحاءات ثقافية واجتماعية متنوعة.
ويستحضر هذا المفهوم شخصيات مثل أوسكار وايلد الذي وظف الزهور كجزء من حضوره الرمزي، كما يمكن ملاحظته في أناقة نجم كرة القدم ديفيد بيكهام، أو في الصور الأدبية التي رسمها مارسيل بروست، وصولًا إلى شجرة الفلامبويان المدغشقرية (Delonix regia) بأزهارها البرتقالية القرمزية اللافتة، وفقًا لـ لتقرير في صحيفة تليغراف.
تعود أصول الكلمة إلى الفعل الفرنسي «flamboyer» الذي يعني التوهج أو الاشتعال، وظهر المصطلح في ثلاثينيات القرن التاسع عشر لوصف الطراز القوطي المتأخر في كنائس القرنين الخامس عشر والسادس عشر، التي اتسمت بخطوطها المنحنية المشابهة لألسنة اللهب، غير أن هذا الأسلوب المعماري واجه انتقادات من الأوساط الفيكتورية المحافظة التي رأت فيه مظهراً للانحلال، وهو ما عكس التناقض الملازم للمفهوم بين الإعجاب والرفض.
وخلال عقود طويلة من القرن العشرين، تراجع حضور هذا النمط إلى الهامش، كما تجسد في شخصية «مُشعل اللهب» في رواية «غرفة جيوفاني» لـ جيمس بلدوين الصادرة عام 1956، قبل أن يتحول لاحقًا إلى وسيلة للتعبير والمواجهة خلال أزمة الإيدز في ثمانينيات القرن الماضي.
وفي الوقت الراهن، عاد المفهوم إلى الواجهة مع الانتشار الواسع لبرامج مثل «RuPaul's Drag Race».
يحتل هذا التناقض مساحة مركزية في كتاب جاك بارليت «Flamboyance»، الذي يمزج بين السرد التاريخي والتجربة الشخصية، مستعرضًا جوانب من حياة جيل الألفية المولود بين عامي 1981 و1996.
ولا يقتصر الكتاب على تتبع تطور المفهوم، بل يتناول أبعاده المركبة بوصفه وسيلة للحماية الذاتية وشكلاً من أشكال التعبير العاطفي.
وفي هذا السياق، يستشهد بارليت بنماذج مختلفة، من بينها أداء ويتني هيوستن خلال مباراة السوبر بول عام 1991، وشخصية أنطوانيت كوسواي، «السيدة روتشستر الأولى» في رواية «بحر سارجاسو الواسع» لـ جين ريس، التي حافظت على نزعتها المتمردة رغم تدهور حالتها النفسية.
ويخصص المؤلف جانبًا كبيرًا من كتابه للحديث عن الشخصيات التي تعرضت للتهميش من جانب ما يعرف بـ«الأغلبية الأخلاقية».
ومن بين تلك الشخصيات جيسون هوليداي، الذي عاش طفولة صعبة قبل أن يقضي فترة في سجن جزيرة رايكرز بمدينة نيويورك، ثم يتحول لاحقًا إلى راوٍ للقصص في النوادي الليلية.
ويتناول الكتاب شخصيات فيلم «باريس تحترق»، حيث انتهت حياة عدد من المشاركين فيه بصورة مأساوية نتيجة الإصابة بالإيدز أو التعرض للعنف، ومن بينهم فينوس إكسترافاغانزا التي عُثر عليها مقتولة خنقًا.
ويتناول بارليت العلاقة المعقدة بين البهرجة والموسيقى الشعبية، موضحًا أن هذا الأسلوب قد يكون وسيلة فعالة للتواصل مع الجمهور، كما في حالة دوللي بارتون التي وظفت هذا الجانب بوعي ضمن صورتها الفنية.
وفي المقابل، يشير إلى أن الإفراط في الاستعراض قد يتحول إلى عبء، مستشهداً بتجربة ليل ناس إكس الذي وجد نفسه مضطرًا إلى رفع مستوى حضوره البصري مع كل إصدار جديد للحفاظ على صورته المتميزة.
ويرفض الكتاب حصر البهرجة في نطاق الثقافات الفرعية فقط، إذ يرى أنها لعبت دورًا في منح الطبقة الوسطى شعورًا بالطمأنينة والانتماء.
ويضرب بارليت أمثلة بشخصيات مثل ديفيد باوي القادم من بيكنهام، وويليام موريس الذي لا تزال تصميماته الزهرية تحظى بإعجاب واسع.
ويقدم باوي بوصفه نموذجًا للرجل الأنيق الذي تجاوز المفاهيم التقليدية للرجولة، وهي الظاهرة التي يصفها المؤلف بأنها «تحول الرجولة إلى شيء يتجاوز الوظيفة».
ويمتد هذا النموذج إلى جماعات «السوينكاس» من رجال الزولو المعروفين بأناقتهم، كما يتوقف عند دونالد ترمب، الذي يرى أن مظهره العام وبعض اختياراته الثقافية تعكس تأثيرات مرتبطة بثقافة نيويورك، بما في ذلك اعتماده أغنية YMCA لفرقة Village People في مناسباته العامة.
ويكشف الكتاب كذلك عن جوانب من تجربة بارليت الشخصية، إذ يتحدث عن طفولته وشغفه المبكر بالفنون، ومنها الفلامنكو، إلى جانب معاناته في تقبل مظهره الخارجي وصراعه مع الإدمان.
وبعد مرحلة التعافي، وجد نفسه مضطرًا إلى ضبط اندفاعه العاطفي والتعامل معه بصورة مختلفة.
ورغم نجاح الكتاب في المزج بين السيرة الذاتية والتحليل الثقافي، فإن الجانب الشخصي يطغى بصورة أكبر في فصوله الأخيرة، مع بعض الملاحظات المتعلقة بقراءاته التاريخية، ومنها حديثه عن عروض كوينتين كريسب الفردية وتساؤلات الجمهور حول كيفية عيش حياة أصيلة.
ويختتم الكتاب بمقارنة بين الدلالات التاريخية للبهرجة واستخداماتها المعاصرة، مشيرًا إلى أن كثيرًا من مضامينها السياسية والاجتماعية تراجعت لصالح نماذج تعتمد على الترويج الذاتي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما هو الحال لدى عائلة كارداشيان وغيرها من المؤثرين.
ورغم ذلك، يسلط بارليت الضوء على نماذج إنسانية يرى أنها أكثر بقاءً وتأثيرًا، ومن بينها قيام راهبات التسامح الدائم عام 1991 بتكريم المخرج ديريك جارمان خلال أيامه الأخيرة في حديقته بمدينة دونجينيس أثناء معاناته مع الإيدز.
ويرى المؤلف أن هذه الواقعة تختزل جوهر كتاب «Flamboyance»، الذي يقدم قراءة لمفهوم البهرجة باعتباره ظاهرة ثقافية وإنسانية تتجاوز حدود المظهر الخارجي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك