رغم سنوات من الجدل والتكهنات، حافظت الولايات المتحدة على مكانتها كقوة مهيمنة عالمياً عسكرياً واقتصادياً ومالياً، رغم ارتفاع الدين العام وتزايد كلفة الإنفاق العسكري.
غير أن هذا الوضع يواجه اليوم تحديات متسارعة، بفعل التحولات في الجغرافيا السياسية والاقتصاد العالمي، ما أعاد طرح تساؤلات حول اقتراب الولايات المتحدة من مرحلة" الإفراط في التوسع"، وهي ظاهرة ارتبطت تاريخياً بتراجع نفوذ الإمبراطوريات الكبرى.
كلفة الحروب وتفاقم الديونوحسب تقرير لصحيفة" فايننشال تايمز" البريطانية، تُقدَّر كلفة الصراع في إيران بنحو ملياري دولار يومياً من النفقات المباشرة قصيرة الأجل.
كما يُتوقع أن تتجاوز نسبة الدين العام الأمريكي إلى الناتج المحلي الإجمالي أعلى مستوى تاريخي لها بعد الحرب العالمية الثانية.
وقدّم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، طلب ميزانية دفاعية لعام 2027 إلى الكونغرس بقيمة 1.
5 تريليون دولار، أي ضعف مستوى عام 2020.
ولا تشمل هذه الأرقام أياً من تكاليف أحدث الحروب التي يخوضها، ما يعزز المخاوف من أن خطر" الإفراط في التوسع" أصبح واقعاً ملموساً بالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة، وخصومها على حد سواء.
ورغم بقاء الولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم وأقوى قوة عسكرية، بميزانية دفاع تتجاوز 900 مليار دولار في 2025 (نحو 35% من الإنفاق العسكري العالمي)، وأكثر من ثلاثة أضعاف ميزانية الصين الدفاعية، ثاني أقوى قوة عسكرية، إلا أن مصدر القلق الرئيسي اليوم هو الديون المتصاعدة.
فمنذ حروب ما بعد 11 سبتمبر (أيلول) 2001، اعتمدت واشنطن بشكل غير مسبوق على الدين لتمويل عملياتها العسكرية في العراق وأفغانستان، بحسب باحثين في جامعة هارفارد.
وتُقدَّر الكلفة الإجمالية لتلك الحروب بنحو 8 تريليونات دولار (بأسعار 2021)، بما في ذلك التزامات مستقبلية لرعاية المحاربين القدامى.
ويبلغ إجمالي الدين العام الأمريكي نحو 36 تريليون دولار، فيما ارتفعت كلفة خدمة الدين من 1.
5% من الناتج المحلي عام 2021 إلى أكثر من 3% حالياً.
ويقترب العجز المالي من 6% من الناتج المحلي الإجمالي، مع غياب توقعات بانخفاضه بشكل كبير خلال إدارة ترامب أو من يخلفه.
تآكل" الامتياز الاستثنائي" للدولارولطالما استفادت الولايات المتحدة مما يُعرف بـ" الامتياز المفرط"، أي مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية، وسوق السندات الأمريكية كملاذ آمن عالمي، حيث يسود الاعتقاد بأنه لا يوجد بديل واقعي للدولار.
فمنطقة اليورو والصين واليابان لا تمتلك أسواق سندات حكومية عميقة، وسيولة كافية لتوفير أصول آمنة للعالم بالحجم المطلوب.
ولكن هناك مؤشرات على تراجع هذا الوضع، مع توجه بعض المستثمرين الأجانب إلى سحب استثماراتهم من سندات الخزانة الأمريكية، بسبب المخاوف من الدين، والتهديدات التي تواجه استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والتوترات السياسية، وتوظيف الدولار كسلاح مالي عبر العقوبات.
وفي تطور لافت، أظهرت بيانات البنك المركزي الأوروبي أن الذهب تجاوز سندات الخزانة الأمريكية، كأكبر أصل احتياطي في العالم.
حيث شكّل الذهب بحلول نهاية العام الماضي، 27% من إجمالي أصول احتياطيات البنوك المركزية العالمية، مرتفعاً من 20% في العام السابق.
وفي المقابل، انخفضت نسبة سندات الخزانة من 25% إلى 22% خلال الفترة نفسها.
البنوك المركزية تختار الذهب.
هل بدأت الحقبة الأخيرة لسندات الخزانة الأمريكية؟ - موقع 24شهد النظام المالي العالمي تحولاً هيكلياً يعيد إلى الأذهان حقبة ما قبل اتفاقية" بريتون وودز"، حيث نجح المعدن النفيس في الإطاحة بسندات الخزانة الأمريكية، من صدارة الأصول الاحتياطية لدى البنوك المركزية حول العالم.
مخاطر جديدة على النظام الماليويملأ صناديق التحوط وغيرها من المستثمرين الفراغ في سوق السندات، لكن اعتمادهم على التمويل قصير الأجل يجعل النظام أكثر هشاشة.
ويحذر خبراء من احتمال حدوث اضطرابات في سوق الدين الأمريكي، شبيهة بأزمة بريطانيا عام 2022، ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي للتدخل وشراء السندات، مع ما يحمله ذلك من مخاطر تضخمية ودورات مالية خطيرة.
وتشير التقديرات إلى أن العالم قد يتجه نحو نظام مالي منقسم بين كتلتين: واحدة تعتمد الدولار، وأخرى محتملة تعتمد اليوان الصيني المدعوم بالذهب.
كما أن توسع أنظمة الدفع البديلة والعملات الرقمية للبنوك المركزية يعزز هذا الاتجاه.
ويرى محللون أن تراكم الدين، وتزايد العجز، وتعدد الصراعات الجيوسياسية قد يضع الولايات المتحدة أمام مرحلة حرجة، حيث تتقاطع القوة العسكرية مع حدود القدرة المالية.
ويخلص التحليل إلى أن الخطر لا يتمثل في أزمة فورية، بل في تراكم تدريجي للمؤشرات التي تقلّص هامش المناورة السياسي والاقتصادي، وهو ما قد يُعيد تعريف شكل الهيمنة الأمريكية في المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك