في كل حرب تُقاس الخسائر بعدد القتلى والجرحى وحجم الدمار، لكن ثمة ضحايا لا تظهر أسماؤهم في البيانات العسكرية ولا تتصدر صورهم نشرات الأخبار.
إنهم الأطفال، الحلقة الأضعف في دوامة الأزمات التي لا يملكون قرار إشعالها ولا القدرة على الهرب من تداعياتها.
ففي لبنان، حيث تتوالى الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية والحروب منذ أعوام، وجد مئات الآلاف من الأطفال أنفسهم يكبرون في بيئة يطغى عليها الخوف وعدم اليقين، بين مدارس تقفل أبوابها ومنازل تهجر، وأحلام صغيرة تتآكل تحت وطأة القلق اليومي.
ومع كل جولة تصعيد أو حرب جديدة تتسع الفاتورة التي يدفعها الصغار، ليس فقط على مستوى سلامتهم الجسدية بل أيضاً على مستوى صحتهم النفسية ونموهم الاجتماعي وفرصهم المستقبلية.
فكيف تحول أطفال لبنان إلى الضحية الأكبر للأزمات المتراكمة؟ وما الأثمان الخفية الي سيدفعها جيل كامل نشأ في ظل الحروب والانهيارات المتلاحقة؟يكشف تقرير لمنظمة" اليونيسيف" الأممية أن معدل 11 طفلاً يقتل أو يتعرض يومياً لإصابة بسبب الاعتداءات الإسرائيلية، ويتعرض الأطفال لانتهاكات جسيمة فيما تسلب منهم حقوقهم الأساس.
حتى أنه في فترات التصعيد بلغت معدلات القتلى والجرحى من الأطفال معدلات مقلقة، وبلغ عدد الضحايا حجم" صف دراسي" بصورة يومية، وفق المنظمة.
إلا أن الاعتداءات المرتبطة بالحرب والقصف ليست وحدها ما يتعرض له الأطفال خلال الحرب، بل كونهم يمثلون الفئة الأكثر ضعفاً في النزاعات، هم يدفعون ثمناً باهظاً في ما يتعرضون له من عنف ونزوح وقتل وتحرش وفقدان الأهل، وحرمان من التعليم والرعاية الصحية.
فكلها تشكل انتهاكات لحقوقهم وبراءتهم، مع كل ما لذلك من آثار خطرة لا تنتهي بانتهاء الحرب، بل هي طويلة الأمد وترافقهم طوال حياتهم خصوصاً في حال عدم تلقيهم المتابعة التي يحتاجون إليها والإحاطة اللازمة.
في اليوم العالمي للأطفال ضحايا الاعتداءات، نسلط الضوء على كل أنواع الاعتداءات التي يتعرض لها الأطفال في الحرب في لبنان لاعتبارهم الفئة الأكثر هشاشة والأكثر عرضة تأثراً بتداعياتها.
واليوم ومع استمرار الحرب بفصولها المتعددة منذ ثلاثة أعوام، يدفع الأطفال بالفعل ثمناً باهظاً، وقد قتل وأصيب الآلاف منهم بإصابات مباشرة تعرضوا لها، إلا أن الظروف التي يعيشون فيها لا تترك آثاراً جسدية لديهم فحسب، بل تسبب أيضاً صدمات نفسية عميقة لا يقدر الكل تداعياتها.
كما أن ظروف النزوح القسري لعشرات الآلاف منهم لا تقل خطورة بما تتركه من آثار في نفوس الأطفال، خصوصاً أن الأطفال والنساء يشكلون النسبة الكبرى من النازحين في مراكز الإيواء التي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الآمنة والكريمة.
وفق ما توضحه الاختصاصية في علم النفس في منظمة" حماية" كونشتينا ديب فإن الطفل وبخاصة بعمر صغير لا يزال في طور النمو ولا يزال دماغه أيضاً في مرحلة النمو، هذا ما يجعله الفئة الأكثر ضعفاً والأكثر تأثراً بالنزاعات والأزمات وبأخطار الحرب وتداعياتها.
وبقدر ما يكون الطفل أصغر سناً يكون أكثر هشاشة بعد، بما أنه لا يعي أصلاً ما يحصل من حوله ولا يدرك عواقب ذلك.
ولأنه ليس للطفل مقدرة نمائية عقلية كافية ولأنه لا يتمتع بالصلابة النفسية اللازمة، يكون أكثر عرضة لجميع الأخطار المرافقة للحرب بالمقارنة مع الراشد.
وتقول" يحتاج الطفل أصلاً إلى راشد إلى جانبه ليشعر بالأمان.
وطالما أنه ثمة تغيير على مستوى العائلة التي تعد بالنسبة له الحاجز الأول ومصدر الأمان، هو يفقد التوازن النفسي الذي لديه.
ففي ظروف النزوح وفي الحرب عامة، هو يفقد بيئته ومحيطه حتى، أو يمكن أن يفقد أحد أفراد عائلته.
ويمكن أن يكون موجوداً في مركز إيواء أو أنه يكون قد فقد فرصة التعليم، هذه كلها هي من صور العنف التي يمكن أن يتعرض لها الطفل.
وتضيف" بمجرد انعدام الأمان أو حصول تغيير في روتين حياته، يعد هذا عنفاً يتعرض له مع ما يترتب عن ذلك من آثار نفسية.
فقد اعتاد أن تكون عائلته إلى جانبه وهو يشعر بالأمان، ويؤدي فقدان هذا الروتين أو العائلة إلى فقدان التوازن مع فقدان المحيط الآمن خصوصاً، وهذا ما لا يقل خطورة عليه من القصف لأن ذلك يشعره بالارتباك وانعدام الأمان"، وتشير إلى أنه من جهة أخرى، فهو يتلمس القلق الذي يشعر به أهله مما يغرقه في حال قلق أيضاً لأن ذلك يوازي بالنسبة إليه سقوط مصدر الأمان، مما يولد لديه مشاعر سلبية عديدة، حتى وإن كانت دفينة.
لذلك، نحن نحرص على دعم الأهل وتعزيز صلابتهم لأن قوة الطفل من قوة أهله".
أرقام مقلقة تدق ناقوس الخطرتنقل مسؤولة التواصل والإعلام داخل مكتب" اليونيسيف" في لبنان بلانش باز أرقاماً مقلقة تتعلق بما يتعرض له الأطفال في لبنان خلال الحرب، فتشير إلى أن 770 ألف طفل يعانون مشكلات نفسية مزمنة ترتبط بالحرب.
كما أن 245 طفلاً قتلوا في الفترة الممتدة بين الثاني من مارس (آذار) والثالث من يونيو (حزيران) 2026، فيما تعرض 954 منهم إلى إصابات جراء القصف ونزح 300 ألف منهم فتركوا محيطهم وغادروا منازلهم سريعاً نحو أماكن من المفترض أن تكون آمنة.
يأتي هذا الواقع المرعب على رغم أنه بحسب القوانين الدولية والتوصيات من المفترض أن يكون الأطفال محميين في فترات الحروب.
وتضاف إلى هذه الأرقام تلك التي تتعلق بالأطفال الذين خسروا أفراداً من عائلاتهم أو أهلهم أو مقربين منهم، مع ما يتركه ذلك من أثر نفسي فيهم.
أما في ما يتعلق بالأطفال النازحين، فلا تخفي باز أن أوضاعهم تدعو للقلق لاعتبار أن كثيراً من الحاجات الأساس ليست مؤمنة لهم وهم يعيشون في ظروف صعبة وداخل أماكن مكتظة، إضافة إلى أنهم تركوا محيطهم وروتين حياتهم.
" نحن نرى أعراضاً واضحة تدل على حجم التداعيات النفسية لدى الأطفال من حزن وخوف وقلق وغيرها من المشكلات المقلقة، مما يستدعي حمايتهم والتشديد على عدم المس بجميع المنشآت التي تحميها القوانين الدولية مثل المدارس والمستشفيات وغيرها، فيما تستهدف يومياً"، تقول مسؤولة التواصل والإعلام في مكتب" اليونيسيف" في لبنان، وتضيف أنه حتى في حال وقف إطلاق النار، هناك جهود جبارة يجب أن تُبذل حتى يستعيد الأطفال حقوقهم وحياتهم الطبيعية ويعودوا إلى مقاعد الدراسة وإلى منازلهم ويطلقوا الرعاية الصحية التي يحتاجون إليها واللقاحات وغيرها من الخدمات.
وتشدد على أن الوضع هذه المرة يختلف عن أي من الحروب السابقة لأن التداعيات أكبر بكثير ومنسوب القلق أعلى لدى مئات العائلات التي تجهل مصيرها، نظراً إلى الآثار للمدمرة التي لهذه الحرب".
لكل ما يمر به الطفل خلال الحرب آثار خطرة، وإن كانت هذه الآثار متفاوتة بين حال وأخرى.
ومن المتوقع أن يظهر الطفل علامات معينة تدل على حصول تغيير لديه مثل:-العدوانية المستجدة لطفل خجول بطبيعتهوأي تغيير في سلوك الطفل يمكن أن يلاحظه الأهل أولاً بحسب ديب، ويدل على تأثره بما يحصل من حوله.
فهذا يدل على أنه يمر بظروف صعبة وأنه ثمة آثار يعجز عن تخطيها فيكون في حاجة إلى المساعدة.
وقد تظهر أيضاً هذه التغييرات من خلال متابعة المؤسسات المعنية في مراكز الإيواء عبر رسوم تبدو سوداوية أو سلوكات معينة أو غيرها.
عندها يبدو واضحاً أن الطفل يحتاج إلى من يسمعه، وقد يصاب بمشكلات عديدة في حال عدم تلقيه المتابعة اللازمة من قلق واكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، وعدم توازن المشاعر والبكاء وعدم القدرة على إقامة صداقات، وقلة الثقة بالآخرين والخوف الزائد والصعوبات التعليمية، فكلها أخطار يكون عرضة لها على المدى البعيد إلى جانب اضطرابات نفسية أخرى.
كما أن مرور الأهل بتجارب حرب سابقة يعجل بظهور هذه العلامات لديهم ولدى أطفالهم المتأثرين بهم، وبخاصة أن الأهل لم أنهم لم يتخطوا يتخطوا تلك الصدمات بعد.
يُضاف إلى ذلك أن الأطفال قد يكونون أكثر عرضة أيضاً لتعنيف الأهل لهم بسبب ردود فعل الوالدين المرتبطة بالظروف التي يعيشونها والتي تجعلهم أكثر عنفاً.
انهيارات في القيم والمفاهيمبدورها تشدد رئيسة اتحاد حماية الأحداث في لبنان أميرة سكر على أن أي انعدام توازن أو أزمات في المجتمع يؤثر في الفئات الأكثر هشاشة دوماً، ومن ضمنها الأطفال، أما الحرب تحديداً فتؤدي إلى تعب وتداعيات نفسية وانهيارات في القيم والمفاهيم، مما ينعكس من خلال عنف وتفريغ مشاعر على الأطفال من قبل من يواجهون هذا النوع من الضغوط.
وتقول" لذلك يتعرض الأطفال في الحرب إلى التعنيف والتنمر والتحرش والاعتداء، ويعيشون في ظروف انعدام الأمان.
ويعانون مشكلات ترتبط بحرمانهم من الحاجات الأساس ومنها الأمان.
يضاف إلى ذلك أن ثمة أطفالاً خسروا عائلاتهم أو أهلهم أو منازلهم، فيكون الأذى النفسي الناتج من ذلك خطر ولا يقل خطورة عما يمكن أن يتعرضوا له من أذى جسدي وإصابات بسبب الحرب".
هذا، وتزيد الاعتداءات الجسدية المختلفة أيضاً إلى حد كبير خلال الحرب، إذ تشير سكر إلى تسجيل ارتفاع في حالات الاعتداءات الجسدية والتعنيف التي تطاول الأطفال خلال الحرب.
وتختم كاشفة" خلال فترة الحرب، ظهر ارتفاع ملحوظ في معدلات العنف والاعتداءات.
وفي كثير من الأحيان يعد الأهل أو مقدمو الرعاية من أقارب وغيرهم هم من يمارسون العنف بحق الطفل.
وللأسف، ثمة حالات كثيرة شهدناها في الفترة الأخيرة، كما جرت العادة في الحروب والأزمات".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك