لأشهر طويلة، اعتقدت إسرائيل أن تفوقها الجوي وقدراتها التكنولوجية المتقدمة كفيلان بمنع أي تهديد جدي من السماء اللبنانية، لكن سلسلة من الهجمات الدقيقة التي نفذها حزب الله خلال الأسابيع الأخيرة قلبت هذه المعادلة، بعدما تمكنت طائرات مسيّرة صغيرة ومنخفضة التكلفة من اختراق الدفاعات الإسرائيلية وضرب أهداف عسكرية حساسة، كاشفةً ثغرات لم تتوقعها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
بدأت الهجمات بشكل متتابع ومقلق، طائرة مسيّرة استهدفت ناقلة جند مدرعة، ثم أخرى أصابت دبابة إسرائيلية، وبعد أيام قليلة تمكنت طائرة ثالثة من ضرب منظومة دفاع صاروخي، بحسب تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.
ومع تكرار الهجمات بوتيرة شبه يومية، أعلن الجيش الإسرائيلي سقوط قتلى وإصابات في صفوف قواته، بينما تحولت الطائرات المسيّرة إلى أحد أكثر التحديات إرباكًا للقوات المنتشرة على الحدود وفي عمق جنوب لبنان.
جيل جديد من الطائرات المسيرةاللافت أن هذه الطائرات لا تعتمد على وسائل التوجيه التقليدية التي اعتادت إسرائيل التعامل معها، فبحسب مسؤولين عسكريين إسرائيليين، يستخدم حزب الله جيلًا جديدًا من الطائرات المسيّرة المرتبطة بمشغليها عبر كابلات ألياف ضوئية رفيعة تنفك أثناء الطيران، ما يجعلها محصنة تقريبًا ضد أنظمة التشويش الإلكتروني التي شكلت لسنوات إحدى أهم أدوات الدفاع الإسرائيلية ضد الطائرات غير المأهولة.
هذا التطور التكنولوجي ليس جديدًا بالكامل، فقد ظهرت الطائرات المسيّرة الموجهة بالألياف الضوئية على نطاق واسع في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، حيث استخدمت لتجاوز أنظمة الحرب الإلكترونية واستهداف المواقع العسكرية بدقة عالية.
لكن ما أثار الجدل داخل إسرائيل هو أن التحذيرات من انتقال هذه التقنية إلى حزب الله كانت موجودة منذ عام 2024، وفق مسؤولين إسرائيليين سابقين، إلا أن المؤسسة العسكرية في إسرائيل لم تتعامل معها بالجدية الكافية.
ومع بدء الهجمات المكثفة في أبريل الماضي، اكتشفت القوات الإسرائيلية أنها تفتقر حتى إلى بعض التدابير الدفاعية البسيطة التي أصبحت شائعة في أوكرانيا، مثل نصب الشبكات الواقية فوق المواقع العسكرية والدبابات والآليات المدرعة لحمايتها من هجمات الطائرات الانتحارية منخفضة الارتفاع.
ويقول ضباط إسرائيليون سابقون إن الجيش ركز خلال السنوات الأخيرة على تهديدات اعتبرها أكثر خطورة، وفي مقدمتها البرنامج الصاروخي الإيراني، بينما لم تحظ الطائرات المسيّرة بالاهتمام الكافي، لكن النتائج ظهرت بوضوح على الأرض، حيث تمكن حزب الله من تحويل هذا السلاح منخفض التكلفة إلى مصدر استنزاف مستمر للقوات الإسرائيلية.
ومع توسع العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران في فبراير الماضي، استأنف الحزب إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل، ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى التوغل في مناطق واسعة من جنوب لبنان وإنشاء منطقة عازلة بهدف إبعاد مقاتلي الحزب عن الحدود.
تشكيل فريق خاص لمواجهة طائرات حزب الله المسيرةوبسبب تلك الطائرات، اضطرت حكومة بنيامين نتنياهو إلى تشكيل فريق خاص من الخبراء للبحث عن حلول عاجلة لمواجهة تهديد الطائرات المسيّرة، مؤكدًا أن الميزانية المخصصة لهذه المهمة ستكون مفتوحة بغض النظر عن التكلفة.
لكن القلق الإسرائيلي لا يقتصر على الوضع الحالي فقط.
فخبراء عسكريون يحذرون من أن ما يستخدمه حزب الله اليوم قد يكون مجرد مرحلة أولى، ففي أوكرانيا، تطورت الطائرات المسيّرة لتستخدم شبكات الهاتف المحمول وشرائح الاتصال في تنفيذ هجمات بعيدة المدى تصل إلى مئات الكيلومترات، كما يخشى مسؤولون إسرائيليون من أن تنتقل هذه التقنيات مستقبلًا إلى حزب الله، ما قد يوسع نطاق التهديد بشكل كبير.
ولهذا السبب، عادت إسرائيل في الأشهر الأخيرة إلى طلب الاستفادة من الخبرة الأوكرانية في مواجهة هذا النوع من الأسلحة، بعدما أصبحت تجربة كييف واحدة من أهم النماذج العالمية في التصدي للطائرات المسيّرة الحديثة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك