كانت عائدة من حش الحشيش والجت من «يلبتها» لتطعم أغنامها وبقرتها الوحيدة، عريشها ملاصق لنخيل الواحة، وحينما أقبلت رأت الناس مجتمعين حول شاب طريح، صدتها النساء عن الوصول، طالبات منها عدم الاقتراب، لأن ولدها طاح من النخلة وما في عينه قطرة، صرخت بأعلى حسها ورمت تلك الحزمة من على رأسها، وهوت عليه تقلبه، وتصرخ في أذنه، كان غائباً رغم ما أسعفه الناس به من تنشيقه الحبة السوداء، وسد أذنيه بالقطن ورشه بالماء، لكنه لم يفق، وغدا مثل مشروع جثة مصيرها إلى البرودة والزرقة، كانت الأم تدعو الذي خلقها راجية مغفرته وسعة رحمته، عاجلوها الرجال ونقلوا الصبي إلى مسجد الحارة الطيني، وطلبوا من المطوع أن يقرأ عليه، يمكن أن يكون غائباً عن الحس، وإلا غسلوه قبل صلاة الظهر، وصلوا عليه، ودفنوه بعد الصلاة، كان الجميع متيقناً أن الولد فرط من عوانة طويلة، وهو يخرف ما تبقى في عذوقها الذاوية من رطب، وسقط بجانب عامد الفلج، وحدها تلك الأم كانت تشعر بدبيب قلبه، وجلست بجانب جدار المسجد تراقبه وتدعو له، كان وحيدها، وكبرت معه، بعد أن غاب زوجها في إحدى الطرشات، ودفنوه في مكانه، هي وقتها لم تصدق أن تبقى وحيدة مع صبي في الرابعة من عمره، ظلت تلوك حزنها، وترفض من يقرع بابها، عاشت من أجل ذلك الصبي، وظلا يكبران معاً، والآن وحين طرّ شاربه وأخضرّ، وبقي يحاذي الرجال تفقده في غمضة عين مثلما فقدت أباه.
بقيت النساء يواسينها، وهي صامتة، تأتيها بين الحين والحين شهقة من أعماق صدرها، وتبكي، ثم تعود لصمتها وتلوذ بالجدار الطيني تناظر الجسد المسجى، حتى تلاقفه الرجال وغسلوه، وصلوا عليه وذهبوا به إلى مقبرة «قصيدة»، وأتموا شعائر الدفن، وغطوه بطابوق من اللِبن والطين، وهالوا عليه التراب، وقرأوا مما يحفظون من سور القرآن، وغادروا يترحمون عليه.
وحدها ظلت تقرأ على قبره، حتى استبطأتها النساء، وطلبت منهن مغادرة المقبرة إلى بيوتهن، ترددن، ثم تفرقن، وهي جاثية على شاهد قبر صبيها تنوح بصبر حتى غلبها التعب وهدّها الحزن فغفت عيناها على قبره.
حزة المغرب، سمعت دنين رعد، وجلبة مطر قوي، وغزير جعلها تصحو غير مصدقة أن رجلها الذي كان ستراً لها، تركها غارقة في حزنها وفجيعتها، وعادت للنحيب من جديد، اشتد المطر، وجرت مياهه، فقامت تطحطح رمل القبر، حتى انخاق، ودخلت المياه وسيّحت ذلك الطابوق الطيني، تحركت تلك الجثة الملفوفة بثوب قطني أبيض الذي غدا وكأنه مصبوغ بلون رملي أحمر، فزعت الأم، أخرج يداً شقت ذاك التراب والثرى، اعتقدت أن حراس المقابر الذين يملأون قصيدة حين يستشعرون بدفن جديد أو أن أحداً من سكان الأراضين السفلية، كانت صرخته الأولى: أمي!دارت بها الدنيا، وألجمتها المفاجأة، وصاحت شكراً وبكت حمداً، وانتشلته بطينه، كما ولدته، وخرت ساجدة.
ليلتها نذرته ليكون حارساً على قبر الولي ما دام حيّاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك