تشهد دور العرض السينمائي المصرية في الآونة الأخيرة حالة من الغياب شبه الكامل لعروض الأفلام المناسبة للمشاهدة العائلية، في ظل هيمنة الأعمال المصنفة عمرياً لفئات فوق 12 و16 و18 عاماً على خريطة العرض.
يتزامن هذا الغياب مع منافسات موسم عيد الأضحى، أحد أهم المواسم السينمائية وأكثرها جذباً للجمهور وأعلى في الكثافة الاستهلاكية.
وعُرض ضمن منافسات أفلام عيد الأضحى كل من" إذما" لأحمد داود وسلمى أبو ضيف، و" الكلام على إيه" لآية سماحة وأحمد حاتم (بتصنيف رقابي +12)، و" أسد" لمحمد رمضان ورزان جمال، و" سفن دوجز" لكريم عبد العزيز وأحمد عز (بتصنيف رقابي +16).
يثير هذا الواقع حالة من الاستياء لدى الأسر المصرية التي اعتادت أن تجعل من الذهاب إلى السينما طقساً عائلياً أساسياً من برامجها الترفيهية خلال الأعياد؛ إذ يجد رب الأسرة نفسه أمام خيارات محدودة لا تسمح باصطحاب جميع أفراد العائلة إلى قاعة العرض.
وبدلاً من أن تكون السينما مساحة لتجسير الفجوة بين الأجيال، وتأطير تجربة فنية وثقافية مشتركة، أصبحت التصنيفات العمرية المرتفعة عائقاً إقصائياً يحرم شريحة من الأطفال والناشئة من المشاركة في هذه التجربة الترفيهية.
تتضاعف حدة هذه المشكلة خلال مواسم الأعياد تحديداً؛ إذ ترتفع التوقعات الجماهيرية بتقديم أعمال تتسم بالطابع العائلي والكوميدي الذي يلائم أجواء البهجة ويستوعب مختلف الفئات العمرية.
إلا أن اقتصار غالبية الأفلام المعروضة على" جمهور نوعي مستهدف"، يطرح تساؤلات حول مدى مراعاة الصناعة السينمائية للمسؤولية المجتمعية واحتياجات الأسرة، وحول غياب التنوع الإستراتيجي في المحتوى المعروض.
ينعكس هذا التوجه سلباً على حجم الإقبال الجماهيري الإجمالي على المدى الطويل، خاصة في ظل بحث الأسر عن بدائل ترفيهية أخرى توفر لها فرصة قضاء وقت مشترك من دون قيود عمرية أو محاذير أخلاقية.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تحقيق توازن بنيوي في الإنتاج السينمائي بين الأعمال الموجهة إلى البالغين، والأفلام العائلية التي تتيح لجميع الأعمار الاستمتاع بسحر الشاشة الكبيرة، بما يعيد للسينما دورها وجهةً ثقافية وترفيهية جامعة لكل أفراد المجتمع.
كان الأمر اللافت ما فعلته إدارة سينما فوكس في القاهرة، إذ أصدرت قراراً فردياً برفع التصنيف العمري لفيلم" الكلام على إيه" (فوق 12 عاماً، طبقاً لقرار الرقابة الرسمي) إلى فوق 16 عاماً.
جاء هذا الإجراء الاستثنائي تفادياً لحالة الاستياء الشديدة التي أبداها أولياء الأمور، ممن أكدوا أن الفيلم لا يناسب الأطفال مطلقاً لما يحتويه من مشاهد وألفاظ وإيحاءات لا تناسب الأطفال.
وبسؤال أحد العاملين في واحدة من كبريات دور السينما بالقاهرة، أحمد معاز، أكد لـ" العربي الجديد" أن مسألة التصنيف العمري لا يُعتد بها إطلاقاً في كثير من دور العرض، ويتحول الأمر في بعض الأحيان إلى مجرد" رقم على الأفيش"، لغرض الامتثال الإداري لا أكثر.
أوضح أن هناك أطفالاً يوجدون في القاعات لأفلام الكبار وأعمارهم لا تتجاوز العشر سنوات، واصفاً الموضوع بأنه إجراء" رقابي بحت" ينتهي بمجرد صدور الترخيص.
على الجانب الآخر، كشف مصدر مسؤول داخل جهاز الرقابة على المصنفات الفنية عن كواليس الصفقات الضمنية بين الرقابة وجهات الإنتاج.
أشار إلى مفارقة تسويقية غريبة، قائلاً إن بعض المنتجين يطلبون بأنفسهم وضع تصنيف عمري مرتفع (+16) على أفلام لا تستدعي ذلك؛ رغبة منهم في إثارة النقاش والتشويق، واللعب على سيكولوجية المراهقين (كل ممنوع مرغوب) لدفعهم إلى الدخول إلى صالة العرض فضولاً.
لكن الرقابة تصر على مشاهدة الفيلم بدقة لتحديد تصنيفه بناءً على المحتوى وليس الرغبة التجارية".
الفنانة انتصار إحدى بطلات فيلم" الكلام على إيه" دافعت عن موقف الممثلين مؤكدة أن طاقم العمل ليس له علاقة بالتصنيف العمري، فهو قرار سيادي يخضع للتفاوض والتقدير بين المنتج وجهاز الرقابة.
وأوضحت أن التصنيف آلية عالمية متبعة في مصر منذ أكثر من عشر سنوات، وليس بالضرورة أن يرتبط التصنيف بوجود مشاهد مخلة، بل قد يرجع إلى مشاهد عنف وآكشن وجرائم لا تناسب الأطفال، داعية الجمهور إلى عدم خلط المفاهيم.
بدوره، أكد الفنان ماجد الكدواني المشارك في بطولة فيلم" أسد" أهمية التعددية الفنية داخل الموسم الواحد، لضمان حرية الاختيار لجميع الفئات، واصفاً طقس السينما بالمتعة العائلية التشاركية، وأضاف قائلاً إن" التصنيف العمري ضرورة حضارية لحماية الطفولة، ولكن يجب ألا نطرح فيلماً للكبار من دون إيجاد البديل العائلي المناسب بجانبه".
يرى بعضهم أنّ السينما تفقد جزءاً من جمهورها عندما تستبعد الأطفالواستشهد ببعض تجاربه السابقة في الأفلام ذات الصبغة العائلية، مؤكداً أنها حققت نجاحاً تجارياً ضخماً وأسعدته برؤية قاعات العرض تجمع الجد والأب والطفل في آن واحد.
وفي قراءة تحليلية للأزمة، يرى الناقد الفني طارق الشناوي أن المنتجين اعتادوا خلال مواسم الأعياد على تقديم الصيغ الإنتاجية المضمونة تجارياً والابتعاد عن السينما العائلية، ما أدى إلى تقليص حاد في خيارات الجمهور.
أضاف الشناوي قائلاً إن المنتجين يبحثون عن الربح عبر تكرار التوليفات التي تحتوي على العنف أو الإثارة لجذب فئات الشباب والمراهقين الأكثر ارتياداً للسينما في العيد، والحل يكمن في خلق توازن يفرض تنوع المحتوى.
بعيداً عن الإنتاج وظروفه المادية، يُطرح تساؤل آخر: هل يمكن لأحد أن يقرّر ماهية السينما وكيف يجب أن تكون عليه، سعياً إلى إرضاء شرائح محددة من الجمهور؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك