حين غادرت سورية، قبل ما يقارب عقداً ونصف العقد، كنت أعتقد أنّ حياتي ستنتهي مع هذا الانتقال القسري إلى بلاد ومجتمعات جديدة، فأنا من السوريين الذين ظلّوا دائماً يعتقدون أنّ حياتهم اتخذت مسارها الواضح في سورية.
فكرة الرحيل عنها لم تمرّ يوماً في خاطري، وفكرة أن استبدل بالحياة التي أعيشها أخرى مجهولةً كانت غير واردة عندي البتّة.
الارتباط بالمكان، وبالأشخاص، وبتفاصيل يومياتي، كان بمثابة البديهية: أنا ولدت هنا، وسوف أكبر وأشيخ وأموت هنا.
كيف يمكن لذلك كله أن يتغيّر؟وعلى الرغم من أنّني لم أكن أملك رفاهية ثبات العيش في بيت واحد، فقد عشت في بيوت مستأجرة لا تُحصى، إلا أنّ دمشق كانت تحصر تنقّلاتي فيها، مثلما كانت تعرف كيف تعيد ترتيب تقلّباتي لأشبه دائماً الشخصية التي أقدّمها عن نفسي، ويعرفها الجميع.
عند استقراري في القاهرة، المدينة التي لا تشبه دمشق إلا قليلاً، بدأتُ ألاحظ في داخلي تفاصيل لم أكن أنتبه إليها من قبل: الميل نحو الاستقرار المكاني، والحذر، والقطعية مع الأخطاء التي تُرتكب في حقّي، والقطيعة مع كلّ ما يمكنه أن يجعل حياتي في القاهرة قلقةً ومشحونةً، والأكثر أهمّيةً الإصرار على أن أبني حياةً جديدةً لي، وأؤثّث لما ستأتي به الأيّام، خصوصاً بعد صدمة إدراك أنّ العودة إلى سورية شبه مستحيلة، وأنّني قد أعيش ما تبقّى من حياتي في مكاني الجديد الذي كان يلزمه الالتزام بما يضمن لي دخلاً شهرياً يمنع عني ذلّ الاحتياج في مكانٍ لا ماضي لي فيه، ولا جذور، ولا صداقات أو علاقات قوية يمكنني الاتكاء عليها في مسيرة حياتي، وأن أواصل مشروع الشاعرة والكاتبة بجِدّية، وهو المشروع الذي بدأته في سورية باستخفاف، من دون أن أجعل هذا ينحّي رغبتي في الانغماس في العيش.
هكذا اكتشفت، بعد استقراري في القاهرة أن بديهياتي السابقة كانت تتغيّر، وأنّ الثبات الذي كنت أدّعيه في شخصيتي كان قابلاً للاستبدال من دون أن أفقد ما أحبّه فيها أو ما أفضّله لحياتي.
يميل الكائن البشري إلى سجن نفسه في نسخة وحيدة من شخصيّته، النسخة التي يقدّمها للآخرين بوصفها هُويَّته النهائية، إلى حدّ أنّه يخاف من التغيّرات الطبيعية التي تطرأ على شخصيته وقناعاته مع التقدّم في السنّ، مع أنّ الطبيعي أنّ التقدّم في السنّ يترافق مع تغييرات مزاجية وأنماط سلوكية تتناسب مع كلّ مرحلة عمرية جديدة، كما أنّ النضج يلزمه مراجعة متواصلة لما يُظنّ أنّه يقيني.
يتغيّر كثير من يقين البشر بعد تعرّضهم لصدمات فردية أو جمعية، حتّى ليبدو ثبات اليقين بعد الصدمات استثناءً مَرضياً لا قوّةً في الشخصية.
فالحياة تُعاش إلى الأمام بناءً على فهم الماضي لا العكس، ما يعني أنّ البقاء في أسر تفسيرات قديمة لحياتنا هو محض عناد مُعطِّل لقابلية التأقلم والتطوّر والاندماج مع جريان نهر الحياة.
كما البقاء على المزاج نفسه، والذائقة نفسها، واليقين نفسه، أمداً طويلاً، بغض النظر عن الصدمات والمكابدات والتغيّرات، اعتقاداً بأنّ الزمن لم يمرّ فوق تفاصيل حياتنا، ولم يُعِد تشكيل شخصياتنا التي تتذكّر تلك التفاصيل.
ينبغي أن نتذكّر لنتقدّم إلى الأمام، لنتغيّر، لا لنعود إلى الخلف ونثبت على ما كنّا عليه، حتّى في قناعاتنا السياسية، حتّى في فهمنا لمعنى الهُويَّة والانتماء والوطن والحرّية والثورة والنضال.
هذه قيم يُعتقَد أنّها قيم ثابتة لا تتغيّر فينا، لكن ثمّة عملية تغيير تحدث دائماً تبعاً لتغيّر المعطيات الخارجية.
يقول بورخيس، في نصّه" دحض جديد للزمن"، إنّ" الزمن هو المادة التي صُنعتُ منها.
الزمن نهر يجرفني، لكنّني أنا النهر".
هي مقولة تدحض فكرة أنّ الإنسان هو ضحية التغيير، فالإنسان هو ذاته التغيير.
التغيير يأتي منه بوصفه الحامل الذي يحتوي الأكوان والزمن في داخله، فلا معنى للزمن من دون وعي الإنسان به وإدراكه له.
والحقيقة أنّ شجاعة الكائن لا تكمن في تمسّكه بمَن كان، بل في قبول حقيقة أنّه الزمن، وأنّه النهر الذي لا يمكن أن يبقى على حاله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك