قدَّم إدغار موران وصفاتٍ جدّيةً لتحليل أزمات العالم المتفاقمة، هو الذي كان شاهداً على أهمّ لحظات القرنَين، السابق والحالي.
تغيّرت الوصفة وتحسّنت مع توالي دروس الحياة.
وما من شاهدٍ أكثر موثوقية من مُفكِّر حرص على إعادة النظر في مُسلَّماته بتفكيرٍ نقدي مثابر يبدأ من الذات، ومن فكرتها عن الأشياء، فـ" المعرفة صعبة ويجب أن تُسنَد بمعرفة الخطأ والوهم إلى جانب المراجعة الذاتية"، لأنّ" النقد الذاتي وقاية نفسية جوهرية"، كما يقول في كتابه" دروس قرن من الحياة" (ترجمة خليد كدري، دار صفحة سبعة، القاهرة، 2022).
بشكل عام، مثّلت الإنسانية هاجس موران الأول، ورأى أنّ الحضارات تنهض بالاعتراف بتعقّد تفاصيل حياتها، وبتمام الصفة الإنسانية، بغضّ النظر عن أصل الناس وجنسهم ومذهبهم، وفي هذا تنهل من" مصدري الأخلاق، وهما التّضامن والمسؤولية".
ولا تتحقّق الإنسانية إلا باعتراف كلّ منّا بأنّه" لحظة عابرة في مغامرة عجيبة، هي مغامرة الحياة التي انتهت إلى أزمة جسيمة، حيث أضحى مصيرُ النوع على المحكّ"، ولن يتحقّق ذلك فقط بالاعتراف بأنّ لنا مصيراً واحداً، وأنّنا كائنات متشابهة، بل يجب أن يتحقّق التقدير المشترك.
ما يُميّز موران أنّه من الكتّاب الذين لم يكتفوا بمسار فكري عالٍ، بل عاش الحياة وخاض مشاقّها، من مقاومة الاحتلال الألماني إلى الانخراط في النشاط الحزبي، سعياً نحو عالم أفضل، إلى هجره، لأنّ الأيديولوجيا تُضيّق أُفق صاحبها.
وكان من القلّة الذين وقفوا ضدّ اختزال اليهودية في كيان دخيل ودموي، وفي مظلومية صارت أشدّ ظلماً، وضدّ احتلال بلاده للجزائر، ولم يتوانَ عن المشاركة في أكثر النقاشات العامّة أهميةً.
عاش حياته مُحبّاً ومحبوباً، كما خلُص إلى ذلك هو نفسه، هو الذي دخل أربع زيجات ناجحة، حتّى التي انتهت بالطلاق، وانتهى زواجاه الأخيران بوفاة الزوجة في الأول، ووفاته هو في الثاني.
لقد تعلّم درسه جيّداً، حتى في اختيار نصفه الثاني.
وظلّ إلى آخر حياته محتفظاً بوعيه وحيويّته، محافظاً على صحّته الجسدية والنفسية من الخمول والكآبة والاستسلام.
مفسّراً ذلك في" دروس قرن من الحياة"، بقوله: " يغمرني حبّ الحياة أحياناً، ويغمرني بالشعور بقسوتها أحياناً أخرى، ونجحتُ في الجمع بينهما، فالحياة هدية وحمل ثقيل، رائعة ومفزعة".
يُقدِّم موران في كتابه هذا تصوّراً شاملاً عن أكثر خلاصاته في الحياة أهمّيةً، وعناصر فلسفته، بلغة رشيقة، فيها شاعرية وخفّة، وتسعى لتوضيح العلاقة بين فكره وحياته، بما أنّ" التناقضات ملازمة لتاريخ البشرية الذي يجمع فيضاً من الطيبة والكرم والتفاني والذكاء والنبوغ، وفيضاً من الخسّة والشرّ والأنانية والبلاهة والعمى".
يستحضر موران هذا التعقيد وهو يشرِّح أحداث القرن، واستعان في ذلك بالشكّ والإيمان، ومحلُّ إيمانه هو الأُخوّة الإنسانية لا ديانة محدّدة، فيحمل كلّ امرئ الجانب المزدوج المتكامل المتّصل بالنزعة الفردية والنزعة الجماعية، الأنانية والإيثار.
وقضى حياته" يُغذّي القدرة على الحبّ والافتنان والمقاومة العنيدة لقسوة العالم في الآن نفسه".
هذه القسوة التي يقف خلفها" معاملةُ جزءٍ من الحقيقة معاملة الحقيقة الكاملة، لأنّ كلّ معرفة تُنزل الجزءَ منزلةَ الكلّ معرفة خاطئة"، بينما يحدث كلّ شيء نتيجة" تولّدات".
وحثّ على الحفاظ على القدرة" على الدهشة والاستشكال: ما العالم؟ ما الحياة؟ ما الإنسان، ما الإله؟ الشكّ يولّد الفكر النقدي، ولا يكون الفكر كذلك إلّا إذا كان ناقداً لذاته أيضاً"، وموضوعاً في سياقه الدقيق، مع الاعتراف بالتعقيد، أي بالوجوه متعدّدة الأبعاد التي يكتسيها أيّ فعل، وبالقدرة على التّمييز بين ما هو متّصل وما هو مستقلّ.
و" أن ندرك عدم اليقين الذي يكتنف الواقع، وأن نعلم أنّه لا يزال ثمّة ممكن غير مرئي".
ودعا إلى عدم الاعتماد على العقلانية، لأنّها تسترشد بصورة" لا واعية بالاختزال والفصل وتؤدّي إلى العمى".
ولعلّ ذلك ما حدث له حين كتب أيّاماً بعد" 7 أكتوبر" (2023) مقالاً يساوي فيه بين حركة حماس وإسرائيل، وهو ما تفادته جوديت بتلر، إذ فرّقت بشجاعة بين المُحتلّ والمُقاوِم.
لكنّه لم يتوقّف عن التنديد بالإبادة حتى آخر حياته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك