تعدّدت خلال الأشهر الأخيرة في بلادنا ردود الافعال حول ملف مهاجري بلدان افريقيا جنوب الصحراء.
وقد تراوحت الآراء والمواقف بين ضرورة التشدّد والصرامة في تطبيق القانون تجاه المهاجرين غير النظاميين وبين الدعوة الى التعقل ومعالجة الملف برويّة وهدوء تفاديا للانزلاقات التي قد تثير ردود فعل دولية معاكسة تجاه بلادنا وشعبها.
ينظر شق من التونسيين الى هذا الملف بشيء من" القلق" الذي يمكن اعتباره موضوعيا ومشروعا بالنظر الى الوضع الاجتماعي والاقتصادي الصعب الذي تمر به البلاد.
حيث تسود المخاوف من إمكانية تأثير تدفقات المهاجرين بأعداد غفيرة نحو بلادنا على المعيشة وعلى الخدمات العمومية وعلى البنية التحتية والموارد الاقتصادية وعلى الاستقرار الأمني والاجتماعي والمجتمعي.
في المقابل يرى آخرون أن بلادنا ليست استثناء وعليها تحمل الهجرة نحوها شانها شأن عديد دول العالم الأخرى والتعاطي معها وفق الضوابط القانونية.
وكل ذلك لتجنب الانزلاق نحو ممارسات مرفوضة من القانون الدولي ومن النواميس الإنسانية الكونية على غرار الممارسات العنصرية او الترحيل القسري او العنف او الاقصاء.
وإذا كان هذا الجدل مشروعا بين أبناء الشعب التونسي، إلا ان ما اصبح يثير القلق اكثر فاكثر هو ان تجد تونس نفسها اليوم وحيدة في مجابهة هذا الملف وسط شبه صمت دولي وقاري واقليمي.
وهو ما يدفع الى التساؤل عن حقيقة وجود تعاون وتنسيق من المفروض ان تلقاه بلادنا من مختلف الأطراف المعنية، بدء ابالأطراف الافريقية والمغاربية وصولا الى الطرف الأوروبي ومرورا بالمنظمات الأممية.
افريقيا، يتطلب هذا الملف تعاونا كاملا وشاملا بين تونس والهياكل والأجهزة الرسمية القارية في مقدمتها الاتحاد الافريقي والمفوضية الافريقية بوصفهما الهيكلين الأكثر قوة وتأثيرا وقدرة على التدخل في مثل هذه الازمات.
ويكون ذلك عبر العمل على إيجاد الحلول المالية والاقتصادية القادرة على تحسين ظروف التنمية والاستقرار والشغل بالبلدان الاصلية للمهاجرين لتشجيعهم على العودة الطوعية نحوها والاستقرار فيها.
على الصعيد الافريقي أيضا، يتطلب الملف تعاونا ثنائيا وثيقا بين تونس و الدول المعنية بتدفق مهاجريها اولا لمزيد تحصين حدودها وثانيا لتشجيع العودة الطوعية وتسهيلها.
كما يحتاج الملف أيضا دفعا ماليا وتنمويا واقتصاديا من المجموعات الاقتصادية الإقليمية في القارة الافريقية على غرار منظمة منطقة التجارة الحرة للقارة الإفريقية والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا" سيدياو" وتجمع دول الساحل والصحراء والهيئة الحكومية للتنمية (تضم دول شرق إفريقيا والقرن الإفريقي)، والمجموعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا" إيكاس"، ومجموعة تنمية الجنوب الإفريقي" سادك" ومنظمة جماعة شرق إفريقيا" إياك".
مغاربيا، لا يمكن ان تكون معالجة هذا الملف أيضا خارج نطاق التعاون والتنسيق بين تونس والمنظمات المغاربية والشمال افريقية على غرار اتحاد المغرب العربي ومنظمة القدرة الإقليمية لشمال إفريقيا(NARC) و تجمع دول الشمال الإفريقي الثلاث (وهي مبادرة تونسية جزائرية ليبية).
وهذا فضلا عن ضرورة التعاون الديبلوماسي الثنائي بين دول شمال افريقيا لايجاد حلول مشتركة لهذا الملف.
دوليا، من الطبيعي ان يكون التعاون قائما وقويا حول هذا الملف بين تونس والطرف الأوروبي بوصفه المستهدف الأول بملف الهجرة.
فالدول الأوروبية مطالبة اليوم اكثر من أي وقت مضى بلعب دور أكبر للمساعدة على إيجاد حلول مالية وتنموية واقتصادية وجهود ديبلوماسية تشجع المهاجرين على العودة الطوعية لبلدانهم الاصلية والاستقرار فيها.
لا يمكن لأي دولة في العالم مواجهة موجات الهجرة غير النظامية الكثيفة بمفردها.
فذلك قد يسمح بحصول" انزلاقات" رسمية او شعبية نتيجة ما يترتب عن هذه الظاهرة من ارباك وضغوطات على الدولة وعلى شعبها.
وهو ما يؤكد ضرورة التفاف مختلف الأطراف المذكورة وكذلك المنظمات الأممية المعنية بشؤون الهجرة واللجوء من اجل التعاون الوثيق والجدي مع تونس والتسريع في إيجاد حلول جماعية مشتركة تعالج الأزمة وتحيطها بمختلف الضمانات الإنسانية والقانونية والاقتصادية حتى لا يثقل العبء على تونس بمفردها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك