قناة القاهرة الإخبارية - إينارا.. لغم تشريعي يقيد الوصول لاتفاق مع إيران | عرض تفصيلي مع ياسر رشدي قناه الحدث - ماكرون: رسالة زيلينسكي إلى بوتين مبادرة جيدة قناة التليفزيون العربي - الفيضانات الأعنف لنهر الفرات منذ 30 عامًا.. لماذا تأخرت تركيا في إنذار سوريا بتصريف مياه سد أتاتورك؟ روسيا اليوم - آبل تزيل تطبيق MAX الروسي من متجرها العربي الجديد - الاتحاد الأوروبي: لا نقص في وقود الطائرات رغم تداعيات حرب إيران الجزيرة نت - لماذا قيّد مجلس النواب صلاحيات ترمب الحربية تجاه إيران؟ رويترز العربية - توبيخ ترامب لنتنياهو “المجنون” يضعف موقفه في مرحلة دقيقة سكاي نيوز عربية - رغم اتفاق وقف النار.. قتلى إثر غارات إسرائيلية على لبنان BBC عربي - أندرو: الأمير البريطاني السابق "كان يؤجر منازل في قصر رويال لودج من الباطن" يني شفق العربية - فيدان في بنغلاديش: نعمل لحل دائم لقضية الروهنغيا
عامة

رحلة في دروب التعليم: ذكريات الوالد ورسالة العمر

سودانايل الإلكترونية

بقلم: امين الجاك عامر – المحاميوأنا أطالع في وسائل الإعلام القرارات والمقالات التي تتناول قضايا التعليم، ومن بينها قرار مجلس الوزراء القاضي بتكوين لجنة قومية لمعالجة مشكلات التعليم في البلاد، عادت ب...

ملخص مرصد
يتذكر الكاتب رحلاته مع والده المعلم، الذي كرّس حياته لخدمة التعليم في السودان. بعد تخرجه من الجامعة الأمريكية ببيروت، عمل مدرساً ثم انتقل للعمل مديراً لمدرسة كوستي الثانوية في منطقة قوز أبو شريف. كان والده ملتزماً بمهامه التعليمية والاجتماعية، حيث حمل هموم القرية وقام بمشاريع خدمية كحفر بئر للمياه.
  • الوالد معلم سوداني كرّس حياته لخدمة التعليم في مدن مختلفة
  • عمل مديراً لمدرسة كوستي الثانوية في قوز أبو شريف (1969)
  • الوالد حمل هموم القرية وقام بمشروع حفر بئر مياه يدوياً
من: الوالد (المعلم) وامين الجاك عامر أين: السودان (ود مدني، لندن، كوستي، قوز أبو شريف)

بقلم: امين الجاك عامر – المحاميوأنا أطالع في وسائل الإعلام القرارات والمقالات التي تتناول قضايا التعليم، ومن بينها قرار مجلس الوزراء القاضي بتكوين لجنة قومية لمعالجة مشكلات التعليم في البلاد، عادت بي الذاكرة إلى تلك الأيام الجميلة التي عشناها مع الوالد ـ عليه رحمة الله ـ الذي كرّس حياته كلها لخدمة التعليم، وتنقلنا معه بين مدن السودان المختلفة، حيث كانت المدارس بالنسبة له رسالةً قبل أن تكون وظيفة.

كان الوالد من أبناء مدينة ود مدني، وقد نشأ في أسرة عُرف والدها بالتجارة وكان من كبار التجار وأعيان المدينة آنذاك.

وبعد تخرجه من الجامعة الأمريكية ببيروت، لم يجد نفسه في مهنة الآباء والأجداد، بل اختار طريقاً آخر آمن به، فانخرط في سلك التعليم الثانوي مدرساً للغة الإنجليزية والتاريخ.

وعندما كنت تلميذاً في مدرسة ود نوباوي الابتدائية، التي كانت تجاور منزلنا القريب من منزل الأمير نقد الله، صدر قرار باختيار الوالد ملحقاً ثقافياً بالسفارة السودانية في لندن.

وقد تأجل سفره إلى حين وصول وزير المالية آنذاك الشريف الهندي لتوقيع الاعتمادات المالية اللازمة لمباشرة مهامه الجديدة، على أمل أن نلحق به بعد نهاية العام الدراسي الأول.

غير أن الأقدار شاءت أمراً آخر؛ فقبل اكتمال إجراءات السفر وقعت أحداث الخامس والعشرين من مايو 1969م، فتبدلت الأحوال، وبدلاً من أن يشد الرحال إلى لندن ملحقاً ثقافياً، وجد نفسه مديراً لمدرسة كوستي الثانوية.

كانت المدرسة تقع بمنطقة قوز أبو شريف، وهي قرية بسيطة تبعد قليلاً عن مدينة كوستي، ولم تكن قد وصلتها آنذاك خدمات المياه والكهرباء.

وعلى مقربة منها شُيّدت مباني المدرسة ومنازل المعلمين والعمال وفق أحدث النظم الهندسية، مزودة بالمياه والكهرباء والهاتف، خدمةً للعاملين فيها.

وكانت المنطقة السكنية مقسمة إلى قسمين يعرفان بـ”حي فوق” و”حي تحت”.

وخلف مباني المدرسة كانت تمتد داخلية الطلاب بمرافقها المتعددة؛ من مساكن وملاعب لكرة القدم وكرة السلة والكرة الطائرة، إضافة إلى المسرح والسفرة.

وكنا ونحن في منازلنا نسمع جرس الطعام يعلن مواعيد الفطور والغداء والعشاء، حتى أصبح ذلك الجرس بمثابة ساعة يومية لسكان حي المدرسين.

وعندما يقرع جرس المذاكرة مساءً كنا نشاهد المعلمين وهم يتجهون إلى المدرسة للإشراف على الطلاب ومتابعة دراستهم.

وكان منزل ناظر المدرسة يقع بجوار منزل الوكيل، الأستاذ الجليل عبد الرحمن خيري، والد المهندس المعروف خيري عبد الرحمن خيري.

وقد استقبلتنا أسرته بحفاوة كبيرة عند وصولنا إلى كوستي، وقضينا معهم أجمل الأيام قبل أن ينتقل الوالد إلى محطة عمل أخرى.

وخلال فترة عمله بمدرسة كوستي الثانوية، لم ينشغل الوالد بأمور المدرسة وحدها، بل حمل هموم قرية أبو شريف أيضاً.

وبالتعاون مع أعيان المنطقة وأهلها تبنى مشروع حفر بئر للمياه بالمجهود الذاتي، تخفيفاً لمعاناة الأهالي الذين أنهكهم البحث عن مياه الشرب.

ومن الذكريات التي لا تزال حاضرة في ذهني أن الوالد كان يمنحني في بداية كل شهر مبلغاً من المال لشراء احتياجات المنزل من اللحوم والخضروات والبقالة.

وكنت أذهب إلى سوق كوستي بعربة المدرسة “الكومر” التي كانت تقل المعلمين إلى السوق مرتين أسبوعياً.

وكانت العربة تتوقف دائماً أمام دكان العم عبد الله محمد صالح، أحد أكبر وأشهر متاجر البقالة في كوستي آنذاك، والذي اشتهر بتوفير أجود السلع والمعلبات المستوردة.

كنت أضع القفة لديه، ثم أذهب لشراء اللحوم والخضروات، وعندما أعود أجد العاملين قد أكملوا تجهيز بقية الطلبات المدونة في قائمة البقالة.

وبفضل توجيهات العم عبد الله الدائمة كانوا يساعدونني في حمل القفة ووضعها داخل العربة في مكان آمن يتحمل وعورة الطريق.

ومع مرور الشهور، كنت أستطيع توفير جزء من المصروف الشهري، فأضعه في حصالة صغيرة، ثم أقوم بجرد ما ادخرته عند نهاية العام الدراسي ونحن نستعد للعودة إلى مدني لقضاء الإجازة.

ولم أدرك إلا مؤخراً أن الوالد، الذي رحل عن الدنيا قبل أن يبلغ الستين من عمره، كان يهيئني مبكراً لتحمل المسؤولية، ويغرس في نفسي قيم الاعتماد على الذات وحسن التدبير والثقة بالنفس.

لقد سبق زمانه بحسه التربوي العميق، وكان يدرك أن التربية ليست كلمات تلقى، بل مواقف وتجارب تُعاش.

رحم الله الوالد، ورحم جميع المعلمين والمعلمات الذين أفنوا أعمارهم في خدمة التعليم، واختارهم الله إلى جواره بعد أن أدوا رسالتهم بإخلاص.

وسيظل عطاؤهم شاهداً على أن نهضة الأمم تبدأ من الفصل الدراسي ومن المعلم المؤمن برسالته.

وإننا لنعقد الأمل على أن تتكاتف الجهود الصادقة لإصلاح التعليم في بلادنا، حتى يستعيد مكانته الريادية في بناء الإنسان والمجتمع، ويعود منارةً للعلم والتقدم كما كان دائماً.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك